الصحة والفراغ.. النعمتان اللتان لا تُعرف قيمتهما إلا بعد الفقد …بقلم الدكتورة عفاف البديوي

3٬684

 

المرفأ نيوز-

في زحام الحياة وتسارع الأيام، يركض الإنسان خلف أهدافه وطموحاته ومطالبه اليومية، حتى ينسى أحيانًا أن أعظم ما يملكه ليس المال ولا المنصب ولا الشهرة، وإنما نعمتان بسيطتان في ظاهرهما، عظيمتان في أثرهما، هما الصحة والفراغ. وهما من النعم التي يعيش كثير من الناس في ظلالها دون أن يدركوا قيمتها الحقيقية إلا عندما تتعرض إحداهما للضياع أو النقصان.

 

الصحة ليست مجرد غياب المرض، بل هي القدرة على الحركة والعمل والإنتاج والاستمتاع بالحياة. هي الطاقة التي تمنح الإنسان القدرة على تحقيق أحلامه وخدمة أسرته ومجتمعه. وعندما يتمتع الإنسان بصحة جيدة، فإنه غالبًا ما يتعامل معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا ومضمونًا، غير مدرك أن ملايين البشر حول العالم يتمنون لحظة عافية أو يومًا بلا ألم أو معاناة.

 

وعندما يداهم المرض الإنسان، تتغير أولوياته بالكامل. تتراجع أمامه اعتبارات المال والمكانة الاجتماعية، ويصبح الشفاء هو الهدف الأول والأهم. حينها فقط يدرك أن الصحة كانت كنزًا يملكه دون أن يشعر بقيمته الحقيقية. فالصحة هي الأساس الذي تُبنى عليه جميع الإنجازات، وهي رأس المال الحقيقي لكل إنسان.

 

أما الفراغ، فهو النعمة الثانية التي كثيرًا ما يُساء فهمها أو استخدامها. فالفراغ ليس وقتًا ضائعًا كما يظن البعض، بل هو مساحة زمنية ثمينة يمكن أن تتحول إلى فرصة للتعلم أو الإبداع أو تطوير الذات أو تعزيز العلاقات الإنسانية. غير أن الكثيرين يهدرون أوقاتهم في أمور لا تضيف إلى حياتهم قيمة حقيقية، ثم يكتشفون لاحقًا أن العمر قد مضى وأن الفرص التي كانت متاحة لم تعد موجودة.

 

إن أعظم الخسائر ليست في ضياع المال، بل في ضياع الوقت؛ لأن المال يمكن تعويضه، أما الزمن فلا يعود أبدًا. ولذلك فإن الإنسان الحكيم هو الذي يدرك أن كل ساعة تمر من عمره تمثل جزءًا من حياته لا يمكن استرداده. ومن هنا تصبح إدارة الوقت مسؤولية أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون مهارة تنظيمية.

 

واللافت للنظر أن العلاقة بين الصحة والفراغ علاقة وثيقة ومتكاملة. فالصحة تمنح الإنسان القدرة على استثمار وقته، والفراغ إذا أُحسن استغلاله يسهم في الحفاظ على الصحة النفسية والعقلية والجسدية. أما إهمال إحداهما فيؤثر بالضرورة على الأخرى. فالانشغال المفرط دون راحة قد يضر بالصحة، وإهدار الوقت دون هدف قد يؤدي إلى الشعور بالإحباط وفقدان المعنى.

 

إن المجتمعات المتقدمة لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو تقدمها التكنولوجي، بل بمدى وعي أفرادها بقيمة الإنسان وصحته ووقته. فكل استثمار في الصحة هو استثمار في المستقبل، وكل استثمار في الوقت هو استثمار في النجاح والتنمية.

 

لذلك فإن من الحكمة أن نتوقف بين الحين والآخر لنراجع أنفسنا، وأن نسأل: هل نحافظ على صحتنا كما ينبغي؟ وهل نستثمر أوقاتنا فيما ينفعنا وينفع مجتمعنا؟ فالحياة أقصر من أن تُهدر في الإهمال أو التأجيل، وأثمن ما فيها نعمتان قد لا نشعر بعظمتهما إلا عندما نفقدهما: الصحة والفراغ.

قد يعجبك ايضا