يوم هاجر الحبيب.. قراءة في بوصلة الأمة الضائعة وكيف نستعيد مجدنا
بقلم: محمد نايف عبيدات
يومَ هاجر الحبيب.. توقف الزمن لبرهةٍ على مشارفِ يثرب لتستقبل الزائر الكريم وصاحبهُ الصدِّيق في رحلة عَبْرَ الصحراء، هَجَرَ خلالها الظُلم والظلام برعاية الرحمن. تجاوز القَتَلَة الذين يحيطون ببيتهِ إحاطةِ السوار بالمعصم فلم يرَوه، وتجاوز قريش وهي على باب الغار، ثم تجاوز سُراقة وقد غارت راحلته في الرمال؛ في معجزاتٍ خالدة أرادَها الله هكذا لنرى بأعيننا لُطفه سبحانه وشيء من قُدراتِهِ التي عطَّلت قوانين الطبيعة لنجاة الحبيب، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
إن هذه الرحلة لم تنتهِ بل بدأت على مشارف يثرب؛ بناقةٍ تسيرُ حاملةً خير البشر لترقدَ بأمر الله حيث قُدِّرَ لها، في المكان الذي سيحتضن فيما بعد جثمانه الشريف. في مشهدٍ يُعَبِّر عن الحيادِ المطلق، والمساواة، وعدم الانحياز إلى فئةٍ؛ فلم يختبر الحبيب عليه السلام بيت أحد، ولم يُفَضِّل قبيلة على أخرى، ليضع أسس الدولة التي ستسود العالم فيما بعد، مرتكزةً على العدالةِ، والحريةِ، والمساواة. نظَّم البيت الداخلي ثم أرسى قواعد السياسة الخارجية بعلاقاتِ الجوار، قبل أن ينطلق في دعوته عبر الجزيرة العربية والعالم، فَتَح القلوب لِتدين له الدنيا، وليقدم لنا نموذجاً عملياً في الصمود، والبناء، وتجاوز العقبات والتحديات.. أخذ بالأسباب، ثم توكل على الله فكان حسبه.
مضى اليوم على ذلك المشهد ألف وأربعمائةٍ وثمانٍ وأربعون عاماً، انتشرت خلالها رسالة الحبيب عليه الصلاة والسلام في جميع أصقاعِ الأرض، وتجاوزت البحار والمحيطات وحطَّت في القلوب. تقدَّمت الأمة وتراجعت، سادت الدنيا بالعدل والسلام، حتى وصلنا اليوم إلى أصعب المراحل ونحن نتذيل الأمم؛ هَجَرنا قواعد الهجرة، وبنينا أحلاماً على الورق، وشيَّدنا حضارة بخيوطِ العنكبوت، فأصبحنا عراةً في مهبِّ الريح. تمسكنا بالفكر الماركسي والميكافيللي فتعطَّلت بوصلتنا، جرَّبنا الرأسمالية والاشتراكية فتاهت هويَّتنا، حاولنا طمس لغتنا بلغةٍ “فنكوشيَّةٍ” قوامها التقليد والتبعية فأصبحنا أضحوكة الأمم! صنعنا تماثيل للتافهين وأسميناهم مؤثرين، استبدلنا “الخنساء” بـ”سوسو”، و”القعقاع” بـ”شادي”، ورسالة الغفران برسائل الحب والغرام.. ضجَّت شاشاتنا بفن الطبخ وتفسير الأحلام، وأصبحت فتاوينا على الهواء.
أمّا وقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه، فلا بد لنا من استفاقةٍ نستعيد بها مجدنا وأنفسنا؛ تبدأ بإصلاح الذات؛ فنهج الإصلاح خطَّه الحق جلَّ وعلا لحبيبه عليه السلام حين قال له “اقرأ” كأول مرحلةٍ للدعوة، وبعد أن قرأ قال له “وأنذر عشيرتك الأقربين”، وبعد أن امتثل عليه السلام لأمر ربه كان له أن يصدع بما يؤمر على هذه القواعد المتينة.
فما أحوجنا اليوم لإصلاح الذاتِ، ثم البيت والأهل، قبل أن نطالب بإصلاح غيرنا، وانتقاد الآخرين.