الصبر على الابتلاء… طريق القرب من الله ..بقلم: د. هبة المالكي
المرفأ الاخبارية – في رحلة الحياة الطويلة، يتنقل الإنسان بين محطات الفرح والحزن، واليسر والعسر، والقوة والضعف. وتبقى حقيقة ثابتة لا تتغير، وهي أن الدنيا دار ابتلاء، وأن الإنسان فيها ممتحن في السراء كما هو ممتحن في الضراء. ومن هنا يثور التساؤل: هل الابتلاء نقمة تحل بالعبد، أم نعمة خفية تحمل في طياتها الخير والرحمة؟
إن الابتلاء في ميزان الإيمان ليس عقوبة بالضرورة، بل قد يكون بابًا من أبواب التربية الإلهية، ووسيلة لتزكية النفس وتقويمها. ففي أوقات الشدة تتجلى حقيقة الإنسان، ويظهر مقدار صبره وثباته، ويكتشف مدى تعلقه بربه أو تعلقه بأسباب الدنيا الزائلة.
ومن أعظم ما ينبغي أن يراجعه الإنسان عند نزول البلاء موقفه النفسي والقلبي؛ فهل يرضى عند المنع كما يرضى عند العطاء؟ وهل يحمد الله في أوقات الضيق كما يحمده في أوقات السعة؟ فإن استوت حاله في الحالتين، فقد بلغ منزلة عظيمة من منازل الإيمان، وإن وجد في نفسه جزعًا أو سخطًا، فليجعل من الابتلاء فرصة للمراجعة والتقويم والعودة الصادقة إلى الله تعالى.
والرضا بقضاء الله ليس استسلامًا سلبيًا للواقع، بل هو عبادة قلبية جليلة تمنح صاحبها السكينة والطمأنينة. فالعبد المؤمن يعلم أن الله سبحانه وتعالى أرحم به من نفسه، وأن ما يقدره له يجري وفق حكمة بالغة قد تخفى عليه اليوم، لكنها ستنكشف له غدًا.
وحين نتأمل سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم نجد النموذج الأكمل للصبر والثبات أمام الشدائد. فرغم مكانته العظيمة عند ربه، وما خصه الله به من تكريم وتشريف، لم تكن حياته خالية من الابتلاءات. فقد فقد أبناءه الذكور في حياته، وودع زوجته خديجة رضي الله عنها، التي كانت السند والمؤازر في أصعب مراحل الدعوة، كما فقد جده وعمه أبا طالب وهما مصدر الرعاية والحماية.
ولم يقف الابتلاء عند حدود الفقد الشخصي، بل امتد إلى مواجهة الإيذاء والتكذيب والسخرية من قومه، حتى اضطر إلى مغادرة مكة، أحب البلاد إلى قلبه. ثم كانت رحلة الطائف التي لقي فيها من الأذى ما تقشعر له الأبدان، ومع ذلك لم يفقد يقينه في رحمة الله، ولم يتخل عن خُلُقه العظيم في العفو والرحمة.
لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الفرج يولد من رحم الشدة، وأن النصر ثمرة الصبر، وأن المؤمن لا يقيس الأحداث بظاهرها فقط، بل ينظر إليها بعين الإيمان والثقة في تدبير الله. فكم من أمر ظنه الإنسان شرًا فإذا به خير كثير، وكم من منع ظنه حرمانًا فإذا به أعظم صور العطاء.
إن كثيرًا من الناس يربطون رضا الله بالعطاء المادي أو النجاح الدنيوي، بينما الحقيقة أن ميزان القرب من الله أوسع وأعمق من ذلك. فليس كل عطاء علامة رضا، وليس كل منع دليل غضب، وإنما العبرة بما يورثه الحدث في قلب العبد من قرب إلى الله أو بعد عنه.
وقد تكون أعظم النعم أن يجد الإنسان نفسه في لحظة ضعف يرفع يديه إلى السماء، مستشعرًا فقره الكامل إلى ربه، فيناجيه في جوف الليل، ويشكو إليه همومه وآلامه، فيفتح الله له من أبواب السكينة والأنس ما لا تفتحه أسباب الدنيا كلها.
إن الابتلاءات، مهما اشتدت، تظل رسائل إيمانية تحمل في داخلها معاني الرحمة والتربية والتهذيب. ومن أحسن استقبالها بالصبر والرضا وحسن الظن بالله، خرج منها أكثر قوة ونضجًا وقربًا من خالقه.
فطوبى لمن جعل من محنته طريقًا إلى ربه، ومن ألمه بابًا إلى رضاه، ومن صبره جسرًا يعبر به إلى رحاب الطمأنينة والمحبة الإلهية.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا الصبر الجميل، والرضا بقضائه، والثقة بحكمته، وأن يجعلنا من عباده الذين إذا ابتُلوا صبروا، وإذا أُنعِم عليهم شكروا، وإذا أذنبوا استغفروا، إنه نعم المولى ونعم النصير.
مدرس أصول الفقه بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالمنصورة