المواطن الشبح.. كيف يصنع العصر الرقمي مواطنًا حاضرًا على الشاشة وغائبًا عن المجال العام بقلم الدكتورة هبه الحسينى محمد
المرفأ الاخبارية – شهدت العقود الأخيرة تحولًا جذريًا في العلاقة بين المواطن والدولة بفعل الثورة الرقمية، التي وفرت فرصًا غير مسبوقة للوصول إلى المعلومات والتعبير عن الرأي. غير أن هذه الطفرة كشفت مفارقة لافتة؛ فبينما أصبح الأفراد أكثر اتصالًا بالعالم وأكثر متابعة للأحداث، تراجع انخراطهم في مؤسسات المجتمع التقليدية، مثل الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية، وأصبحت المشاركة الرقمية تحل تدريجيًا محل المشاركة الواقعية.
من هنا يبرز مفهوم “المواطن الشبح”، وهو مواطن لا يعاني اللامبالاة ولا العزلة السياسية، بل يتابع الشأن العام باستمرار، ويستهلك الأخبار والمحتوى السياسي بكثافة، ويتفاعل عبر المنصات الرقمية، لكنه يكتفي غالبًا بالمراقبة والتعليق وإعادة النشر دون مشاركة فعلية في الحياة العامة أو المؤسسات المجتمعية.
اعتمدت النظريات الكلاسيكية للمواطنة على فكرة أن المشاركة المباشرة هي جوهر العلاقة بين الفرد والدولة. فقد رأى علماء السياسة والاجتماع أن المواطنة لا تقتصر على الحقوق والواجبات، بل تشمل الانخراط في المجال العام، وبناء الثقة، وتعزيز الروابط الاجتماعية. لكن البيئة الرقمية غيّرت هذه الفرضيات؛ إذ أصبح المواطن قادرًا على التعبير عن رأيه بضغطة زر، دون الحاجة إلى الانضمام إلى تنظيم سياسي أو المشاركة في نشاط مجتمعي.
ولعبت الخوارزميات ومنصات التواصل دورًا محوريًا في هذا التحول. ففي ظل اقتصاد الانتباه أصبحت المنافسة تدور حول جذب وقت المستخدم وإبقائه متصلًا بالشاشة لأطول فترة ممكنة. ولم تعد المنصات تعرض المعلومات بصورة محايدة، بل تحدد للمستخدم ما يراه وما يهمله وفق معايير التفاعل والانتشار، الأمر الذي أعاد تشكيل المجال العام، وجعل السياسة جزءًا من تدفق مستمر للمحتوى الترفيهي والإخباري والإعلاني.
نتيجة لذلك، تحولت السياسة لدى كثير من الأفراد إلى مادة للاستهلاك أكثر منها مجالًا للممارسة. فالمواطن يشعر بأنه يشارك من خلال التعليق أو الإعجاب أو مشاركة المنشورات، بينما يظل بعيدًا عن الفعل الجماعي المنظم. وهكذا يتزايد الحضور الرقمي، في مقابل تراجع الحضور الواقعي داخل مؤسسات المجتمع.
ويتميز المواطن الشبح بعدة خصائص؛ أبرزها الاتصال الدائم بالمعلومات، والمشاركة الرمزية عبر المنصات، والانتماء إلى المجتمعات الرقمية أكثر من المؤسسات التقليدية، والنظر إلى السياسة باعتبارها محتوى يُستهلك، إلى جانب الانسحاب الهادئ من الأدوار العامة دون إعلان أو صدام.
وتتجاوز خطورة هذه الظاهرة حدود المشاركة السياسية، لتطال مستقبل المجال العام والأمن المجتمعي. فضعف ارتباط المواطنين بالمؤسسات الوسيطة يقلل من قدرتها على تنظيم الحوار وإدارة الاختلاف، ويجعل الرأي العام أكثر تأثرًا بالموجات الإعلامية السريعة، والشائعات، وحملات التأثير الرقمي.
كما تواجه الأحزاب والنقابات والجمعيات تحديًا متزايدًا في ظل صعود المؤثرين والمنصات الرقمية، التي أصبحت أكثر قدرة على جذب الانتباه وصناعة الاتجاهات العامة. ومع تراجع الروابط الاجتماعية التقليدية، تتراجع أيضًا مستويات الثقة والتضامن، وهو ما ينعكس على تماسك المجتمع في أوقات الأزمات.
وفي هذا السياق، لم تعد قضايا الأمن القومي تقتصر على حماية الحدود أو مواجهة التهديدات العسكرية، بل امتدت إلى حماية المجال الإدراكي للمجتمع. فالمواطن الشبح يعيش داخل بيئة رقمية تحكمها خوارزميات عابرة للحدود، لا تعمل بالضرورة وفق اعتبارات المصلحة الوطنية، بل وفق منطق تعظيم التفاعل والربح. ومع اتساع هذه الظاهرة، تزداد قابلية المجتمعات للتأثر بحملات التضليل والاستقطاب وإعادة تشكيل الأولويات من خارج السياق الوطني.
لذلك أصبح تعزيز الأمن القومي في العصر الرقمي يتطلب إعادة بناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتشجيع المشاركة المجتمعية، وتطوير الثقافة الرقمية، وتحويل الحضور الإلكتروني إلى مواطنة فاعلة تسهم في خدمة المجتمع والدولة.
في النهاية، يعكس مفهوم المواطن الشبح أحد أبرز التحولات التي فرضها العصر الرقمي؛ فهو مواطن حاضر في فضاء المعلومات، لكنه غائب عن الفعل العام. والتحدي الحقيقي أمام الدول اليوم لا يكمن في إدارة التكنولوجيا وحدها، بل في استعادة المجال العام، بحيث تتحول المعرفة إلى مشاركة، والتفاعل إلى مسؤولية، والحضور الرقمي إلى قوة تدعم المجتمع وتعزز تماسكه، بدلًا من أن يصبح انسحابًا صامتًا خلف الشاشات.
مدرس العلوم السياسية ..جامعة ٦ اكتوبر