الشيخ عزيز محمود الهُدائي رحمة الله  من قاضي القضاة إلى وليٍّ كامل من أولياء الله

3٬267

 

بقلم الدكتور منصور مالك

مؤسس مملكة المحبة – لندن

يشهد التاريخ الإسلامي بأن الله سبحانه وتعالى إذا اصطفى عبداً ليقرّبه إليه، جرّد قلبه أولاً من التعلّق بجاه الدنيا وشهرتها وسلطانها، ثم رفعه إلى مقامات القرب والولاية. ومن أروع النماذج على ذلك الشيخ عزيز محمود الهُدائي (1541–1628م)، أحد كبار علماء الدولة العثمانية وفقهائها وقاضي قضاتها في مدينة بورصة، ثم أحد أعظم أولياء الله في عصره. وقد اشتهر بالعدل والنزاهة وغزارة العلم والحكمة، حتى أصبح موضع احترام الخاصة والعامة.

 

وتروي المصادر الروحية التركية قصةً مشهورة كانت نقطة التحول الكبرى في حياته. فقد أقسم رجل على زوجته قائلاً: إن لم أحج هذا العام فأنتِ طالق. لكن الظروف حالت بينه وبين السفر، ولم يبقَ على خروج قافلة الحج سوى أيام قليلة، فأدرك أن الوصول إلى مكة المكرمة أصبح مستحيلاً بحسب الأسباب الظاهرة. وفي شدة كربه قصد شيخه ومرشده الشيخ محمد أُفتاده يشكو إليه حاله.

 

وتذكر الرواية أن الله تعالى، ببركة دعاء الشيخ وكرامته، منّ على ذلك الرجل بأداء فريضة الحج ثم عاد إلى بلده سالماً.

 

غير أن زوجته رفعت دعوى أمام المحكمة مدعيةً أن زوجها لم يسافر إلى الحج، وأن الطلاق قد وقع. فعُرضت القضية على القاضي عزيز محمود الهُدائي.

 

فسأله القاضي:

 

“هل أديت الحج؟”

 

فأجاب بثقة:

 

“نعم، لقد حججت.”

 

وبدا هذا الجواب غير قابل للتصديق. فاستدعى القاضي عدداً من الحجاج العائدين من مكة وسألهم إن كانوا قد رأوا هذا الرجل أثناء الحج. فشهد عدد منهم أنهم رأوه بالفعل في مكة، وفي عرفات، ومزدلفة، ومنى، وأثناء الطواف وسائر مناسك الحج.

 

عندئذٍ وقف القاضي عزيز محمود الهُدائي مبهوراً أمام هذه الشهادة، وأدرك أن هناك حقائق روحية تتجاوز حدود المعرفة الظاهرة والاجتهاد القضائي. وبعد مزيد من التحري، علم أن هذه الكرامة كانت من آثار بركة الشيخ محمد أُفتاده، وقبل ذلك كله من فضل الله سبحانه وتعالى ومشيئته.

 

فما كان منه إلا أن توجه مباشرة إلى زاوية الشيخ، وهو لا يزال مرتدياً لباس القضاء الرسمي، وطلب منه بكل تواضع أن يقبله تلميذاً ومريداً.

 

وتروي الرواية أن الشيخ أُفتاده قال له:

 

“هذه مجالس الدراويش، وليس للمناصب الدنيوية فيها قيمة.”

 

فكرر الهُدائي طلبه بإلحاح.

 

فقال له الشيخ:

 

“إن كنت صادقاً في طلب هذا الطريق، فابدأ أولاً بكسر نفسك.”

 

ثم أمره أن ينزل إلى السوق مرتدياً لباس القضاء، ويحمل في يديه كروش الذبائح، وينادي عليها للبيع بين الناس.

 

وكان ذلك امتحاناً بالغ الشدة. فالرجل الذي كان يقف أمامه الولاة والوزراء والعلماء إجلالاً واحتراماً، أصبح الآن واقفاً بين عامة الناس، مطيعاً لأمر شيخه دون تردد.

 

فنظر إليه أهل بورصة بدهشة، وأخذ بعضهم يهمس قائلاً:

 

“لقد فقد قاضي القضاة عقله.”

 

ولكن الحقيقة لم تكن كذلك؛ فلم يكن الذي انكسر عقله، بل كانت نفسه وكبرياؤه، وكان الله سبحانه وتعالى يهيئه لمقام أسمى من القضاء، وهو مقام الولاية.

 

فلما عاد إلى شيخه، قبله الشيخ محمد أُفتاده مريداً، ولم يمض وقت طويل حتى قدّم عزيز محمود الهُدائي استقالته من منصبه الرفيع، ووهب حياته كلها لعبادة الله، وذكره، وخدمة عباده، وتزكية النفس.

 

وفي سنوات قليلة أصبح من أعلام الأولياء في الدولة العثمانية، ثم استقر في أوسكدار بإسطنبول، حيث ربّى آلاف المريدين والسالكين إلى الله، وكان سلاطين الدولة العثمانية يجلّونه ويطلبون مشورته الروحية. ولا يزال ضريحه المبارك في أوسكدار إلى يومنا هذا من أشهر المزارات الروحية في تركيا، يقصده مئات الآلاف من الزائرين كل عام.

 

أما أنا، فلم أكن أعرف عن الشيخ عزيز محمود الهُدائي إلا القليل.

 

وفي إحدى زياراتي لإسطنبول، بينما كنت مقيماً في فندق بمنطقة بشكتاش، تلقيت اتصالاً هاتفياً من رجل تركي لم أكن قد التقيته من قبل. قال لي إنه قدم من قونية ويرغب في لقائي، فأعطيته عنوان الفندق.

 

ولما حضر، قال لي بهدوء:

 

“تعال معي، أريد أن آخذك إلى مقام أحد أولياء الله.”

 

فوافقت دون تردد، وكأن شيئاً خفياً كان يدفعني إلى قبول الدعوة.

 

عبرنا مضيق البوسفور، وكانت نسمات المساء الباردة تلامس الوجوه، فيما كانت مياهه تتلألأ تحت ضوء الغروب، ويرتفع صوت الأذان في الأفق باعثاً سكينة عجيبة. وحين دخلنا مقام الشيخ عزيز محمود الهُدائي في أوسكدار، أحاط بي صمت مهيب، وشعرت وكأن القلب قد انفصل عن ضجيج الدنيا.

 

وقفت أدعو الله، فإذا بسكينة عميقة تنزل على قلبي، لا تستطيع الكلمات أن تصفها. كان شعوراً بالقرب من الله، والتواضع بين يديه، والحنين إلى رضاه.

 

وبعد انتهاء الزيارة، أعادني صاحبي إلى الفندق في صمت يكاد يكون كاملاً. لم نتبادل إلا كلمات قليلة، لكن تلك الزيارة تركت في نفسي أثراً عميقاً، وأيقظت رغبة صادقة في التعرف إلى حياة هذا الولي العظيم.

 

ومنذ ذلك اليوم، بدأت أقرأ في المصادر التاريخية التركية، والسير، والروايات المتعلقة بحياة الشيخ عزيز محمود الهُدائي. ومع كل صفحة كنت أشعر أنني أرافق رحلة إنسان انتقل من سلطان المنصب إلى سلطان المعرفة بالله. ولهذا أوردت خلاصة تلك الرحلة في هذا الفصل، لعلها تذكر كل باحث عن الحق بحقيقة خالدة:

 

إذا اختار الله عبداً لقربه، حرره أولاً من أسر الدنيا، ثم ألبسه من الكرامة والعزة ما يفوق كل منصب، وكل سلطان، وكل مجد دنيوي.

قد يعجبك ايضا