انطلاق عروض الأفلام اللبنانية الوثائقية للمخرج هادي زكاك في “شومان” غدا 

4٬270

 

المرفأ الاخبارية- عمان 14 أيلول – تنطلق يوم غد الثلاثاء في مؤسسة عبد الحميد شومان، عروض الأفلام الوثائقية للمخرج اللبناني هادي زكاك وتستمر حتى الخميس المقبل، حيث تبدأ العروض في تمام الساعة السادسة والنصف مساء بقاعة السينما والساعة الثامنة مساء بالهواء الطلق بمقر المؤسسة بجبل عمان.

وتستحضر الأفلام التي ستعرض، الذاكرة اللبنانية من زوايا مختلفة؛ من قصص العائلة والهجرة، إلى تاريخ دور السينما، وحكايات الأشياء التي أصبحت شاهدة على تحولات المجتمع والبلاد.

وتبدأ العروض يوم غد الثلاثاء بتقديم فيلم “يا عمري” الذي يقدم تجربة وثائقية دافئة تأخذ وقتها في نقل المعنى إلى الجمهور، حيث يتتبع المخرج جدّته “هنرييت” منذ عام 1992، راصداً تحولاتها بأسلوب سينمائي صبور يواكب تطور تقنيات التصوير عبر ربع قرن.

تغوص الحكاية في ذاكرة الجدة المعمّرة التي بلغت مئة وأربعة أعوام. يقدم الفيلم سرداً لتاريخ العائلة بأكملها من خلال تتبعه لحياة الجدة هنرييت، ففي هذا العمل؛ العيش مع الجدة يعني بالضرورة سرد الماضي والاهتمام به. تبدأ القصة من ذكريات هجرتها القديمة من لبنان إلى البرازيل، مروراً بتفاصيل زواجها وأمومتها. يحاول الفيلم أن يجعل جمهوره يبلغ عمر الجدة، ليدخل في أفكارها ويرى الدنيا من منظورها الخاص مع تقدمها في السن وتداخل الأزمنة في عقلها.

على المستوى البصري والسردي، يبتعد التوليف عن الخط الزمني التقليدي المباشر، ليتنقل بين المواد المصورة بناءً على التقنية المتوفرة وقت التصوير، دامجاً بين أرشيف العائلة الكتابي والفوتوغرافي ومقاطع الفيديو الخاصة بالمناسبات الأسرية. توظف الصورة عناصرها لخدمة هذا المنظور؛ فالصورة الضبابية للأشياء خارج بؤرة التركيز تجعل كل ما يحيط بالجدة قليل الوضوح، وهي تقنية تحاكي بصرياً طبيعة الرؤية لدى كبار السن أو من يرتدي نظارة طبية.

يتناول العمل قضية الشيخوخة من منظور إنساني يضع المتفرج أمام حقيقة التدهور الجسدي وجهاً لوجه. تتجلى في المشاهد روابط الحب العائلي ومسؤولية الرعاية، ويبرز صمود الشخصية الإنسانية المتمسكة بطابعها رغم تراجع قدراتها العقلية، ليكون الفيلم شهادة بصرية تعكس تطور الزمن وانطفاءً تدريجياً لملامح الجسد.

نال الفيلم جوائز مرموقة، منها جائزة لجنة التحكيم في مهرجان مالمو للأفلام العربية، والجائزة الفضية في مهرجان جنيف الدولي للفيلم الشرقي، كونه يطرح توثيقاً بصرياً صريحاً لرحلة الإنسان في مواجهة حتمية الزمن.

أما يوم الأربعاء فسيتم عرض فيلم سيلما (لفظة دارجة بين عامة الناس بديلا عن تسمية “سينما”)، الذي يصور حكاية صالات السينما في مدينة طرابلس بشمال لبنان، ابان حقبة زمنية قريبة مشبعة بالتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، قبل أن يداهم تلك الصالات الأفول والغياب والاندثار.

أكثر من قضية واشكالية يطرحها “سيلما”، سواء على الصعيد السينمائي أو الفكري، محملة بأسئلة صعبة، حول ما آلت اليه أوضاع صالات السينما في مدينة طرابلس، في اتكاء على شهادات ومواقف منتقاة بعناية بليغة التعبير والتأثير، مصحوبة بصور ثابتة، مشرعة على ألوان من البيئة الإنسانية، وأحوال أمكنة، وقناعات وعقائد لدى ثقافات متباينة، قدّمها المخرج زكاك في نسيج جمالي قوامه الأساسيّ المونتاج، كما في حركة عدسة كاميرا الفيلم، المتناغمة مع الصور الفوتوغرافية لصالات السينما، وصور شخصيات عامة ونجوم شهيرة في السينما العالمية والعربية في أكثر من عهد، داخل وقائع وأحوال مليئة بتفاصيل العيش اليومي.

معادلة صعبة وعسيرة لعبت فيها كاميرا “سيلما”، في استعادة لحظات ومواقف من البهجة والألم، في حقبة حرجة تعايش فيها كثير من الناس مع طقس الذهاب إلى السينما، بدت وكأنها تستكشف شواغل إنسانية، لم تكن ترى في الفيلم إلّا كمشاهد ممتعة أو للتسلية فقط، وقلّة ما كانت ترى في بعض الأفلام مادة للتفكير أيضاً، كما يحسب لبراعة مخرج الفيلم قدرته في الاتكاء على مادة بصرية مكّنته في البحث تدريجيا في جوهر آلية تأثير الفيلم على مكونات مجتمع أهالي مدينة طرابلس، دون أن يغفل الفيلم جديته في فتح حوار مُوسع بين شرائح من الشخصيات المختارة، التي تتحدث مباشرة أمام الكاميرا، عن تفاصيل ما كانت تشهده تلك الصالات من وقائع جسام، فضلا عن علاقتهم بالسينما والحنين إلى نجومها، وما أتاحت لهم من فرص ومزايا في تعميق ثقافتهم ونظرتهم إلى الواقع.

وتختتم العروض يوم الخميس المقبل بعرض فيلم “مرسيدس”، وهو تجربة سينمائية وثائقية لافتة في كيفية تناول التاريخ اللبناني المعاصر، إذ يوظف المخرج هادي زكّاك سيارة المرسيدس، كمدخل لقراءة ستة عقود من تاريخ المجتمع اللبناني وتحولاته.

منذ وصولها من ألمانيا إلى لبنان في خمسينات القرن الماضي، انتشرت “عائلة المرسيدس” بين شرائح المجتمع المختلفة، بعض أفراد العائلة عَمِلَ سيارة أجرة “سرفيس”، وارتبط بمعيشة الطبقات العاملة، في الوقت نفسه، ظهر بعض أفراد العائلة الآخرين في حياة السياسيين والأثرياء وأصحاب النفوذ. لذلك استطاعت السيارة، وبصورة رمزية، أن تعبر الحدود الطبقية والسياسية والطائفية التي كثيراً ما قسمت المجتمع اللبناني. من الجوانب الطريفة التي يتناولها الفيلم، هي ثقافة التسميات اللبنانية لسيارة المرسيدس، فيطلق عليها ألقاباً مثل “المدعبلة” (نسبة إلى شكلها المحدب)، و”الشبح” و”الغواصة” حيث تعكس هذه التسميات العلاقة الحميمة التي تربط اللبنانيين بهذه السيارة.

يتتبع الفيلم تاريخ لبنان من خمسينات القرن العشرين إلى العقد الأول من القرن الحالي، متوقفاً بالتوازي عند محطات فارقة شهدتها سيارة المرسيدس؛ بداية مع مرحلة ما قبل الحرب، إذ يروي الفيلم كيف أصبحت سيارة المرسيدس رمزاً لبنانياً في حقبة الازدهار التي سبقت الحرب، ولا يكتفي الفيلم باستعادة صور لبنان الجميل أو الحنين إلى مرحلة ما قبل الحرب، فمع انتقال السرد إلى سنوات الحرب الأهلية (1975-1990)، تَدخُل المرسيدس أيضاً في قلب الأحداث؛ تَظهَر سيارات المرسيدس عند الحواجز، وعلى خطوط التماس، وتُصبح أحيانا جزءاً من دائرة العنف نفسه؛ حين استخدمت كأداة تفخيخ وتفجير في الحرب، وتحولت السيارة التي كانت رمزاً للرفاهية إلى أداة للحرب والعنف.

زكاك في الفيلم، لا يتعامل مع سيارة المرسيدس بوصفها مجرد وسيلة نقل وحسب، وإنما بوصفها ظاهرة اجتماعية وثقافية وطبقية وسياسية، والأكثر من هذا، حين بدأت سيارة المرسيدس بوصفها “العائلة” بالانخراط تدريجياً في المجتمع اللبناني، أصبحت شيئاً فشيئاً فرداً من أفراد هذا المجتمع، تحمل هويته وتتصرف وفق تحزباته وأنماطه السلوكية إلى أن أصبحت طائفة جديدة تضاف إلى الطوائف اللبنانية العديدة المتناحرة، وإذ منحها زكّاك هذا الوجه الإنساني، وتتبع مسيرتها عبر الفيلم -والتي في نهاية الأمر هي مسيرة لبنان نفسه- ليصنع منها لا شاهداً على تاريخ لبنان المعاصر وحسب، وإنما جزء من صناعته ومتورطة في وحله في آن.

يشار الى أن المخرج اللبناني هادي زكاك، يمارس التدريس في حقل الفنون السمعية البصرية والدراسات السينمائية بجامعة القديس يوسف منذ العام 1988، ويعتبر اليوم من بين أشهر صنّاع الفيلم التسجيلي في السينما العربية، ونجح في إنجاز ما يزيد عن 25 فيلما تسجيليا من بينها أفلام: “درس في التاريخ”، “أصداء من لبنان”، “يا عمري”، “كمال جنبلاط .. الشاهد والشهادة”، “مرسيدس”، وغيرها، جميعها عكست ببراعة ملامح واقعية من انّات مجتمعه، وما يكابده من ويلات ولحظات انكسار وحزن، إلاّ انها تفتح آفاقاً جديدة للسينما التسجيلية في لبنان لتبقى تشعّ بالأمل والحنين عندما جرى تقديمها كشهادة مبدع على عصره في التعبير عن موقفه الإنساني العميق تجاه قضايا وطنه وأحلامه في التحرر والانعتاق.

قد يعجبك ايضا