مصر لا تُدار بالترند.. الدولة تُبنى بالوعي وقوة المؤسسات ولا تُهدم بالشائعات

3٬287

المرفأ الاخبارية-

بقلم ؛ الدكتورة امل ابو زيادة
في زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر قبل أن تُراجع، ويُصنع الرأي العام أحيانًا قبل أن تظهر الحقيقة، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي من مجرد منصات للتواصل إلى ساحات مفتوحة للتأثير وصناعة الانطباعات وتوجيه المزاج العام.

وهنا لا تصبح القضية في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في وعي من يستخدمها، وقدرته على التمييز بين الخبر والتحريض، وبين النقد والشائعة، وبين حق المواطن في السؤال ومحاولات ضرب الثقة في الدولة.

مصر لا تُدار بمنطق «الترند»، ولا تُقاس قوة دولتها بعدد المشاهدات أو حجم التفاعل على منصات التواصل. فالدول لا تُبنى بالهاشتاجات، وإنما بالمؤسسات، والقانون، والعمل، والقدرة على اتخاذ القرار في أصعب الظروف.

ومن حق المواطن أن ينتقد، وأن يسأل، وأن يطالب بتحسين الخدمات ومواجهة أوجه القصور، فهذا جزء أصيل من أي مجتمع يريد أن يتقدم. لكن النقد الحقيقي لا يحتاج إلى كذبة، والإصلاح لا يبدأ بتشويه الحقائق، والمعارضة المسؤولة لا تعني تحويل كل أزمة إلى معركة ضد الدولة.

هناك فارق بين أن تنتقد أداء مؤسسة، وأن تستهدف فكرة الدولة نفسها.

هذا الفارق يجب أن ندركه جيدًا، خصوصًا في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تتشابك فيها الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية، وتتغير فيها موازين القوى بسرعة غير مسبوقة.

وفي مثل هذه الظروف، تصبح الدولة القوية ضرورة وليست رفاهية.

قوة الدولة لا تعني غياب الأخطاء، ولا تعني أن مؤسساتها معصومة من النقد أو المراجعة. بل تعني امتلاك القدرة على مواجهة الخطأ وتصحيحه، وحماية المصالح الوطنية، والحفاظ على تماسك المجتمع، واتخاذ القرار بعيدًا عن الانفعال وضغط اللحظة.

وهنا يأتي دور المواطن.

المواطن الواعي ليس من يصدق الدولة في كل شيء، كما أنه ليس من يصدق كل ما يُقال ضدها. المواطن الواعي هو الذي يبحث عن الحقيقة، ويتحقق من مصادر المعلومات، ويدرك أن إعادة نشر خبر كاذب قد تكون مشاركة في صناعة أزمة حقيقية.

لقد أصبح الهاتف المحمول اليوم أداة سياسية دون أن يشعر كثيرون بذلك.

ضغطة واحدة قد تنشر معلومة خاطئة إلى آلاف الأشخاص، ومقطع مبتور قد يصنع حالة غضب، وعنوان مضلل قد يخلق حكمًا عامًا قبل أن يعرف الناس التفاصيل.

ولهذا فإن أمن الوعي أصبح جزءًا من الأمن الوطني.

ليس المطلوب أن نغلق باب الاختلاف، وإنما أن نغلق باب الفوضى.

ليس المطلوب أن نمنع النقد، وإنما أن نحمي النقد من أن يتحول إلى تشويه.

وليس المطلوب أن نصمت عن الخطأ، وإنما أن نواجهه بالحقيقة والقانون، لا بالشائعات والمبالغات.

الدولة التي نريدها يجب أن تكون قوية بمؤسساتها، عادلة في تطبيق القانون، قادرة على الاستماع إلى مواطنيها، وسريعة في معالجة أوجه القصور. وفي المقابل، فإن المجتمع الذي نحتاجه يجب أن يكون أكثر نضجًا في تعامله مع الأحداث، فلا يسمح للغضب بأن يصادر العقل، ولا للترند بأن يحل محل الحقيقة.

فالأوطان لا تُدار بردود الأفعال.

والقرارات المصيرية لا تُصنع في التعليقات.

ومستقبل الدول لا تحدده موجة إلكترونية قد تختفي بعد ساعات.

الترند عابر.. أما الدولة فباقية.

ولهذا فإن الاختلاف يجب أن يبقى داخل إطار يحفظ الوطن، والنقد يجب أن يتحول إلى وسيلة للإصلاح لا أداة للهدم، والإعلام يجب أن يضع الحقيقة قبل الإثارة، والمواطن يجب أن يعرف أن مسؤوليته لا تقل عن مسؤولية المؤسسات في حماية المجال العام من التضليل.

نحن بحاجة إلى مرحلة جديدة من الوعي السياسي؛ وعي لا يرى في الدولة خصمًا، ولا يرى في المسؤول شخصًا فوق النقد، وإنما يضع كل شيء في إطاره الصحيح: المسؤول يُحاسب، والمؤسسة تُراجع، والقانون يُحترم، والدولة تُصان.

فحين تضعف المؤسسات، لا ينتصر المواطن على الدولة؛ بل يخسر الجميع.

وحين تنتشر الشائعة، لا يسقط مسؤول وحده؛ بل تهتز الثقة في المجتمع كله.

وحين تتحول كل قضية إلى معركة على السوشيال ميديا، يصبح صوت الأكثر إثارة أعلى من صوت الأكثر عقلانية.

وهذا تحديدًا ما يجب أن نرفضه.

مصر تحتاج إلى عقل سياسي هادئ، وإلى إعلام مسؤول، وإلى مواطن يملك شجاعة السؤال كما يملك شجاعة التحقق، وإلى مؤسسات تدرك أن بناء الثقة لا يكون بالكلام وحده، وإنما بالأداء والشفافية والإنجاز.

نحن لا نحتاج إلى دولة تخشى النقد، ولا إلى مجتمع يخشى السؤال؛ نحتاج إلى دولة قوية تتسع للنقد، ومجتمع واعٍ يعرف حدود المسؤولية.

وفي النهاية، ستتغير العناوين، وسيتبدل الترند، وستظهر قضية جديدة لتحل محل قضية قديمة، لكن ما يبقى هو الوطن.

لذلك، فإن حماية الدولة ليست دفاعًا عن شخص، والحفاظ على مؤسساتها ليس انحيازًا لمسؤول، وإنما هو انحياز لفكرة أكبر: أن يكون لهذا الوطن كيان قوي قادر على حماية أمنه، وصون مصالحه، واستكمال طريقه رغم كل الضغوط.

مصر لا تُدار بالترند.
مصر تُبنى بالوعي، وتحميها المؤسسات، ويصونها القانون، ويقويها مواطن يعرف أن الاختلاف حق.. لكن الوطن ليس ساحةً للعبث .

قد يعجبك ايضا