معركة الوعي…بقلم: محمد نايف عبيدات  

21٬566

 

 

المرفأ نيوز- لطالما تحولت أفراحنا إلى مآتم، وسُكِبت الدموع وسط الابتسامات نتيجة تصرف أهوج خرج فيه أحدنا عن المألوف والوعي، فتبعه الكثيرون في حالة من “اللاوعي” تجذب البعض إلى اتِّباع الآخرين فيما يُعرف بـ “نظرية القطيع”، دون تمييز أو إدراك لعواقب الأمور.

أول فصول الحكاية بدأت من مدينة سان فرانسيسكو الأمريكية وتحديداً من ملعب “ليفاي”، حيث مباراة منتخبنا الوطني “النشامى” في نهائيات كأس العالم أمام شقيقه المنتخب الجزائري، في أولى تجاربنا المونديالية التاريخية، والتي قدَّم خلالها النشامى أفضل ما لديهم، وخرجوا من البطولة خروجاً مُشرِّفاً نال احترام الجميع.

الحكاية لم تنتهِ هنا؛ بل انتقلت فصولها إلى عمّان، حيث شهد المدرج الروماني حشداً جماهيرياً بعشرات الآلاف من الذين استمتعوا بلحظات المباراة، وامتزج لديهم الأمل بالرجاء. لكن ومع صافرة الحكم، أُعلنت نهاية المباراة وبداية مشهد مؤسف للتدافع داخل المدرَّج الروماني وفي الساحات العامة؛ وهو مشهد اعتدنا عليه كثيراً في ملاعبنا، وصالات أفراحنا، وحتى في مساجدنا ومدارسنا. لطالما شهدنا تدافعاً غير مبرر على البوابات ينتهي بمآسٍ كبيرةٍ، الأمر الذي يدفعنا إلى السؤال الأهم: لماذا هذا التدافع؟ وما هو الأمر العاجل الذي ينتظرنا ولا يحتمل الانتظار للحظات؟ الجواب بسيط وبديهي.. لا شيء!

أجل، لا شيء بانتظارنا، إنما هي “معركة وعي” خسرناها منذ زمن بعيد، وأصبحنا نتَّبع نظرية القطيع؛ نعشق التدافع، والفوضى، والصراخ، وكل ما هو خارج عن النظام، وكأننا نبحث عن متنفس نفرِّغ فيه كبتاً دفيناً في أعماقنا، نهرب عبره من صعوبات الحياة.

هذا المشهد قادني بالذاكرة إلى إسبانيا، حيث لا بد من المقارنة لتكتمل الصورة وندرك إلى أين وصلنا. ففي مباراة سابقة بالدوري الإسباني جمعت ريال مدريد وريال سوسيداد في ملعب يتسع لما يزيد عن سبعين ألف متفرج، أطلق الحكم صافرته قبل نهاية اللقاء بعشرِ دقائق لِتُعلن إدارة الملعب عن اشتباه بوجود خطر في المدرجات، وتصدر أمراً بالإخلاء الفوري.

يومها، انطلق نجوم مثل زيدان وروبرتو كارلوس من أرضية الملعب إلى المدرجات ليتأكدا من خروج الجمهور. خمس دقائق فقط كانت كافية لخروج سبعين ألف متفرج إلى خارج أسوار الملعب! لم يسقط أحد على الأرض، ولم يكن هناك أي تدافع، بل خرج الجميع بانسيابية وتناغم رغماً عن وجود إنذار بخطر حقيقي.

وعلى عكس ما شهدناه ونشهده في تجمعاتنا، فإن المقارنة لا تحتاج إلى عميق تحليل؛ إنما هي سلوكيات فردية وجماعية اعتدنا عليها، افتقدنا خلالها إلى ثقافة النظام واحترام الذات وحق الآخرين. فالأمر لا يتطلب سوى بضع ثوانٍ فقط ليخرج الشخص الذي أمامك فتُفتح الطريق أمامك، وبدورك تخرج دون توقف فلا تشكل عائقاً لمن هم خلفك.

ما أحوجنا اليوم إلى وقفةٍ جادة مع الذات، نحترم فيها إنسانيتنا ونتجاوز مراحل العشوائية والانجراف وراء التيار. فلنكن دوماً مع الأقلية الملتزمة بالنظام، ولنترك الفوضى والتخلف؛ فالطريق طويل والصعوبات جمة، وما أحوجنا إلى إعادة توجيه بوصلتنا السلوكية والأخلاقية بين الحين والآخر.

قد يعجبك ايضا