الكفايات الوظيفية وهندسة القدرات الحكومية ..بقلم : فيصل تايه

3٬266

المرفأ الاخبارية – جاء إطلاق وزيرة دولة لتطوير القطاع العام، المهندسة بدرية البلبيسي، لمنظومة الكفايات الوظيفية للوحدات النمطية، بحضور قيادات الإدارة العامة وخبراء الموارد البشرية والتحول الرقمي، ليعكس تحولاً يتجاوز تطوير أدوات إدارة الموارد البشرية إلى مقاربة سؤال جوهري في الإدارة العامة: كيف تُبنى قدرة الدولة؟

 

فالإصلاح الإداري لا يبدأ من تعديل الهياكل أو تحديث الإجراءات، بل من بناء الإنسان القادر على تحويل السياسات إلى نتائج. وقد أثبتت التجارب أن الدول لا تتراجع فقط عندما تنضب مواردها، بل عندما تصبح مؤسساتها أقل قدرة على الاستجابة من سرعة التحولات التي يشهدها العالم.

 

ومن هنا، يمكن قراءة منظومة الكفايات الوظيفية باعتبارها انتقالاً من إدارة الوظائف إلى بناء القدرات. فهي لا تعيد تعريف معايير التوظيف فحسب، بل تعيد تعريف مفهوم الجدارة ذاته؛ إذ لم تعد الشهادة وسنوات الخبرة وحدهما معياراً كافياً، بل أصبحت القدرة على التعلم، والتحليل، والتكيف، وصناعة القرار، هي المحدد الحقيقي لقيمة الموظف العام.

 

ولا يتعلق هذا التحول بالموظف وحده، بل بطبيعة الدولة نفسها. فالدولة الحديثة تُقاس بقدرتها التنفيذية؛ أي بقدرة مؤسساتها على تحويل الرؤية إلى سياسات، والسياسات إلى برامج، والبرامج إلى أثر يشعر به المواطن. وكل فجوة بين الرؤية والتنفيذ هي في جوهرها فجوة في الكفاءة المؤسسية.

 

ولهذا فإن الكفايات الوظيفية لم تعد قضية تخص إدارات الموارد البشرية، بل أصبحت جزءاً من القدرة الاستراتيجية للدولة. فالوظيفة العامة ليست مجرد موقع تنظيمي، وإنما مسؤولية في إنتاج القيمة العامة، وحلقة الوصل بين القرار الحكومي وحياة الناس.

 

إن الفلسفة العميقة لهذه المنظومة تكمن في انتقالها من سؤال: «من يشغل الوظيفة؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ما القدرة التي تحتاجها الدولة لتحقيق أهدافها؟». فالوظيفة تحدد المسؤوليات، أما الكفاية فتحدد القدرة على الإنجاز. وهذا هو الفارق بين إدارة تكتفي بتسيير الأعمال، وإدارة تبني المستقبل.

 

وفي عالم يتسارع فيه التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، لم يعد التحدي في امتلاك التكنولوجيا، بل في امتلاك الإنسان القادر على توظيفها. فالتقنية توسع إمكانات المؤسسات، لكنها لا تصنع رؤية، ولا تبني حكماً رشيداً، ولا تعوض غياب العقل المؤسسي القادر على التقدير واتخاذ القرار.

 

ومن هذه الزاوية، فإن منصة الكفايات الرقمية لا تمثل مجرد تطبيق إلكتروني، بل خطوة نحو بناء لغة وطنية مشتركة للكفاءة، تربط بين المؤسسات الحكومية، والمؤسسات التعليمية، وسوق العمل، بما يضمن أن يصبح التعلم المستمر جزءاً من البنية المؤسسية للدولة، لا نشاطاً تدريبياً منفصلاً عنها.

 

كما أن المنظومة تؤسس لما يمكن تسميته بالذاكرة المؤسسية؛ بحيث لا تبقى المعرفة حبيسة خبرات الأفراد، بل تتحول إلى معرفة متراكمة تنتقل وتتطور داخل المؤسسة. فالمؤسسات القوية لا تُبنى على كفاءة أشخاص استثنائيين فقط، وإنما على قدرتها على إنتاج الكفاءة بصورة مستدامة.

 

غير أن القيمة الحقيقية لهذا التحول لن تُقاس بجودة الأطر والمعايير التي وُضعت، وإنما بقدرتها على تغيير الثقافة المؤسسية. فالإصلاحات الكبرى لا تتعثر غالباً بسبب ضعف أفكارها، بل لأنها تبقى أسيرة اللوائح والتعليمات، ولا تتحول إلى ممارسة يومية تعيد تشكيل السلوك الإداري.

 

ولهذا فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد إطلاق المنظومة، لا عند إطلاقها. فالكفايات لا تصنع قوة للدولة إلا عندما تتحول إلى معيار في التعيين، والتطوير، وتقييم الأداء، وإعداد القيادات، وصناعة القرار. وعندها فقط تصبح الجدارة ثقافة مؤسسية، لا إجراءً إدارياً.

 

إن كل إصلاح إداري لا ينتهي إلى إعادة تعريف الكفاءة، ينتهي غالباً إلى إعادة ترتيب الإجراءات. أما الإصلاح الذي يعيد بناء الإنسان المؤسسي، فإنه يعيد بناء قدرة الدولة نفسها.

 

ومن هنا، فإن منظومة الكفايات الوظيفية ليست مجرد مشروع لتطوير الموارد البشرية، بل خطوة في إعادة هندسة العقل الحكومي؛ انتقالاً من إدارة الحاضر إلى بناء القدرة على إدارة المستقبل.

 

واخيراً فان الدول لا تصنع مكانتها بما تملكه من موارد فحسب، بل بما تمتلكه من مؤسسات قادرة على التعلم، والتكيف، وتحويل المعرفة إلى قرار، والقرار إلى أثر. وحين تصبح الكفاءة ثقافة مؤسسية لا مجرد معيار وظيفي، فإن الإصلاح الإداري لا يعود برنامجاً حكومياً فحسب، بل يصبح أحد مصادر قوة الدولة واستدامتها.

والله ولي التوفيق

قد يعجبك ايضا