الأحزاب بين الصورة والشارع… متى تستعيد السياسة نبضها الحقيقي؟ إبراهيم عمران
المرفأ الاخبارية – لا تُقاس قوة الأحزاب السياسية بعدد المؤتمرات التي تعقدها، ولا بعدسات الكاميرات التي توثق فعالياتها، ولا بعدد الصور التي تتصدر منصات التواصل الاجتماعي، وإنما تُقاس بمدى حضورها الحقيقي بين المواطنين، وقدرتها على فهم مشكلاتهم، وصياغة حلول واقعية لها، وصناعة كوادر تمتلك الوعي والكفاءة والقدرة على ممارسة العمل السياسي بمفهومه الوطني.
إن الحياة الحزبية القوية لا تُبنى داخل القاعات المغلقة، بل في القرى والنجوع والمدن والأحياء، حيث يعيش المواطن تحدياته اليومية. وهناك فقط تستطيع الأحزاب أن تثبت أنها شريك في التنمية، لا مجرد ضيف في المناسبات أو مشارك في الفعاليات.
لقد آن الأوان لأن تنتقل الأحزاب من ثقافة المشهد إلى ثقافة التأثير، ومن الاهتمام بالشكل إلى صناعة المضمون. فالعمل الحزبي الحقيقي يبدأ بالاستماع للناس قبل الحديث إليهم، وبالنزول إلى الشارع قبل الصعود إلى المنصات، وبالاحتكاك المباشر بقضايا المجتمع قبل إصدار البيانات والشعارات.
ومن أهم أدوار الأحزاب بناء كوادر سياسية مؤهلة تمتلك المعرفة بالدستور والقانون والإدارة المحلية والعمل البرلماني، وتستطيع التواصل مع المواطنين بلغة بسيطة، وتكسب ثقتهم بالفعل لا بالوعود. فالأحزاب التي تستثمر في الإنسان هي وحدها القادرة على صناعة قيادات المستقبل، أما الأحزاب التي تكتفي بالفعاليات الموسمية فلن تستطيع أن تؤسس حياة سياسية راسخة.
كما ينبغي أن تتحول مقرات الأحزاب إلى مراكز خدمة مجتمعية تستقبل شكاوى المواطنين، وتتابع تنفيذ الحلول مع الجهات المعنية، وتقدم المبادرات التي تخفف من أعباء الناس. فعندما يشعر المواطن بأن الحزب يقف إلى جواره في قضاياه اليومية، ستعود الثقة تدريجيًا، وسينظر إلى الحزب باعتباره مؤسسة وطنية تخدم المجتمع، لا منصة للدعاية أو التقاط الصور.
إن الديمقراطية لا تزدهر إلا بأحزاب قوية، والأحزاب لا تقوى إلا بثقة المواطنين، وهذه الثقة لا تُشترى بالشعارات ولا تُصنع باللافتات، بل تُكتسب بالعمل المتواصل والوجود الحقيقي والإنجاز الملموس.
إن مستقبل الحياة الحزبية في مصر يرتبط بقدرتها على إعادة تعريف أولوياتها؛ فتدريب الكوادر، وصناعة القيادات، والتفاعل مع المجتمع، وتبني قضايا المواطنين، يجب أن تتقدم على المظاهر الاحتفالية والفعاليات البروتوكولية. فالوطن يحتاج إلى أحزاب تصنع الوعي، وتبني الإنسان، وتشارك في حل المشكلات، وتكون همزة وصل حقيقية بين الدولة والمواطن.
وعندما يصبح المواطن هو محور العمل الحزبي، لا محور الصورة، سنكون أمام تجربة سياسية أكثر نضجًا، وأحزاب أكثر تأثيرًا، وحياة حزبية تليق بحجم الدولة المصرية وطموحات شعبها.