من أضاع تاريخه فقد حاضره ومستقبله بقلم: نادية إبراهيم نوري
المرفأ الاخبارية – شاهدتُ من خلال نافذتي مشهدين مختلفين، لكنهما تركا في نفسي أثرًا عميقًا.
كان المشهد الأول لصقرٍ يهاجم عشَّ حمام، يفترس فراخه وبيضه، ويهدم العش، بينما تناثرت الدماء واختلطت بريش أنثى الحمام التي قاتلت حتى آخر نفس دفاعًا عن صغارها وعشها. كان مشهدًا اعتصر قلبي وأغرقني بالحزن والكآبة، وبقيت صورته ترافقني أيامًا كلما تذكرته.
أما المشهد الثاني، فكان لطائر البلبل، صاحب الصوت العذب، وقد اصطاد خنفساء. ومن المعروف أن للخنفساء غطاءً صلبًا يحميها، لذلك أخذ البلبل يرفعها بمنقاره ثم يضربها بقوة على الأرض مرارًا، محاولًا كسر غطائها حتى يتمكن من أكلها. وبعد محاولات متكررة، نجح في ذلك.
والغريب أنني، وأنا أراقب محاولات البلبل المستميتة، لم أشعر بالحزن أو الألم، بل أعجبت بإصراره حتى حقق هدفه.
عندها تذكرت الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، وما يُنسب إليه من حديث عن الفرق في نظرة الإنسان إلى قتل الفراشة وقتل الصرصور، وأن الأحكام الأخلاقية قد تتأثر أحيانًا بالانطباعات الجمالية؛ فالفراشة جميلة، ولذلك يُستنكر قتلها، بينما يُنظر إلى قتل الصرصور على أنه أمر طبيعي لأنه قبيح.
لكن هذا التصور يغفل حقائق أخرى؛ فالفراشات تؤدي دورًا مهمًا في تلقيح الأزهار وإنتاج الثمار، بينما تُعد بعض أنواع الصراصير ناقلةً للأمراض. فالجمال أو القبح لا ينبغي أن يكونا المعيار الوحيد للحكم.
ومن هنا أدركت كيف يسعى المحتل، عبر التاريخ، إلى تشويه صورة الشعوب التي يحتل أرضها وينهب خيراتها، فيصفها بأوصاف تنتقص من إنسانيتها، ويصوّرها على أنها متخلفة أو همجية، بينما يقدم نفسه بوصفه حاملًا للحضارة والعلم والتقدم، ليبرر أفعاله ويحدّ من تعاطف الآخرين مع أصحاب الأرض.
لذلك، علينا ألا ننساق وراء المصطلحات البراقة التي يروّجها المحتل أو أصحاب المصالح، بل أن نحتكم إلى العقل، وأن نؤمن بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وصون تاريخها، وفهم ماضيها فهمًا موضوعيًا، والبحث عن مواطن القوة في حضارتها، بعيدًا عن روايات الغرباء الذين يسعون إلى طمس الهوية، وسرقة الأحلام، ونهب الثروات.
فمن يضيّع تاريخه، يضيّع حاضره ومستقبله.