الاغتيال بالمدح: اللجان الإلكترونية وصناعة الصورة في المجال العام الرقمي .. بقلم الدكتورة هبة الحسيني محمد
المرفأ الاخبارية- أحدث الانتقال من المجال العام التقليدي إلى الفضاء الرقمي تحولًا عميقًا في طبيعة الاتصال السياسي وآليات تشكيل الصور الذهنية للأفراد والدول والمؤسسات. فلم تعد عملية التأثير في الرأي العام مرتبطة فقط بامتلاك وسائل الإعلام أو القدرة على إنتاج الرسائل السياسية، وإنما أصبحت مرتبطة كذلك بالقدرة على التحكم في درجة حضور الرسالة، وتوقيت ظهورها، وأنماط انتشارها، والسياق الذي تقدم من خلاله. وبذلك تحولت وسائل التواصل الاجتماعي من مجرد أدوات للتعبير والتفاعل إلى ساحة للصراع على الانتباه، وتفسير الأحداث، وصناعة الانطباعات.
وقد أتاح هذا التحول ظهور أنماط جديدة من التأثير السياسي، من بينها الحملات المنسقة، والترويج الشعبي المصطنع، والسلوك غير الأصيل المنسق، وهي ممارسات تستهدف التأثير في إدراك الجمهور لطبيعة التأييد أو المعارضة. فقد تتكرر رسالة واحدة عبر عدد كبير من الحسابات، فتبدو وكأنها تعبير تلقائي عن اتجاه اجتماعي واسع، بينما قد تكون في بعض الحالات نتاجًا لتنسيق يستهدف تضخيم حضورها في المجال العام.
وتنطلق أهمية هذه الظاهرة من التمييز بين وجود رأي عام حقيقي وصناعة الإحساس بوجود رأي عام. فعدد المنشورات أو الإعجابات أو المشاركات لا يعكس بالضرورة حجم التأييد الحقيقي، كما أن كثافة التفاعل لا تعني بالضرورة استقلالية مصادره. وهنا تلتقي اللجان الإلكترونية مع مفاهيم وضع الأجندة والتأطير؛ إذ لا يقتصر التأثير على ما يعرفه الجمهور، وإنما يمتد إلى ما يراه جديرًا بالاهتمام، وإلى الطريقة التي يفسر من خلالها الأحداث.
وفي هذا السياق، يقترح المقال مفهوم «الاغتيال بالمدح» بوصفه مفهومًا تحليليًا لفهم الأثر العكسي للتلميع السياسي الرقمي. والمقصود به ليس المديح في ذاته، ولا مجرد المبالغة في الثناء، وإنما نمط من التلميع المتكرر والمنظم يرفع الصورة المستهدفة إلى مستوى يفوق قدرتها على الاستناد إلى الواقع، فيخلق فجوة متزايدة بين الصورة والخبرة الفعلية للجمهور، بما قد يحول المديح تدريجيًا من مصدر للثقة إلى مصدر للشك.
فالمديح الطبيعي يعبر عن موقف أو تقدير، بينما يبدأ التلميع المفرط عندما يتحول الإنجاز إلى «إنجاز تاريخي»، والنجاح إلى «عبقرية»، والشخصية العامة إلى صورة لا تخطئ. ومع تكرار هذه الرسائل عبر حسابات متعددة، يتحول المديح من رأي فردي إلى مشهد جماعي يوحي بوجود إجماع واسع. وهنا لا تعود الحملة تصنع التأييد فقط، وإنما تصنع الإحساس بالتأييد.
وتزداد خطورة الظاهرة عندما يتحول الدفاع عن الصورة إلى محاولة لتحصينها من النقد؛ فيصبح الاختلاف عداءً، والسؤال تشكيكًا، والنقد هجومًا. عندها تبدأ الصورة في فقدان إحدى أهم خصائصها: القدرة على احتمال الاختلاف. وكلما ارتفعت الصورة فوق الواقع، ازدادت الحاجة إلى تكرار الرسائل التي تحافظ عليها، وكلما زاد التكرار أصبح النمط أكثر وضوحًا، وقد ينتقل انتباه الجمهور من مضمون الرسالة إلى مصدرها وهدفها.
ومن هنا يصبح التشويه والتلميع وجهين لإدارة الصورة؛ فالأول يضخم السلبيات، والثاني يضخم الإيجابيات، وكلاهما قد يؤدي إلى اختزال الواقع في صورة ثنائية لا تعكس تعقيده. ولا تقتصر الظاهرة على الأفراد، وإنما تمتد إلى الدول، حيث قد تتحول المبالغة في تقديم القوة والنجاح إلى عبء على المصداقية، خاصة عندما تتعارض الصورة المثالية مع خبرة الجمهور أو مع معلومات متاحة من مصادر متعددة.
وتزداد المسألة تعقيدًا مع الذكاء الاصطناعي، الذي يخفض تكلفة إنتاج المحتوى ويتيح إنشاء رسائل متعددة ومتنوعة في الشكل، لكنها متطابقة في السردية، بما يجعل اكتشاف التكرار والتنسيق أكثر صعوبة. ومن ثم يصبح تحليل التوقيتات، وشبكات التفاعل، ومصادر المحتوى، وأنماط الانتشار، ضروريًا للتمييز بين التأييد الطبيعي والتلميع المنظم.
إن «الاغتيال بالمدح» لا يفترض أن كل حملة تأييد مصطنعة، ولا أن كل مديح كثيف يمثل تلاعبًا، وإنما يطرح سؤالًا بحثيًا حول اللحظة التي يتحول فيها الإفراط في التلميع إلى استنزاف للمصداقية. فالصورة السياسية لا تحتاج إلى أن تكون مثالية حتى تكون قوية، وإنما تحتاج قبل كل شيء إلى أن تكون قابلة للتصديق.
فأحيانًا لا تُغتال الصورة بما يُقال ضدها، وإنما بما يُقال عنها أكثر مما ينبغي.
مدرس العلوم السياسية – كلية الاقتصاد والإدارة – جامعة 6 أكتوبر