من السبورة إلى صناعة القرار.. حين تصنع الصدمات قادة المستقبل بقلم :اسماء. السكري

3٬310

 

المرفأ الاخبارية- مشوار طويل قطعته، وسنوات عديدة مرت في العمل، رأيت خلالها عشرات القادة، بعضهم ترك أثرًا لا يُنسى، وبعضهم تمنيت ألا تتكرر رؤيته مرة أخرى. وبين التجربتين تعلمت أن الوصول إلى القيادة ليس طريقًا مفروشًا بالثناء والإشادة، وإنما رحلة طويلة من الاختبارات، والصدمات، والعثرات، والنجاحات التي لا تأتي دائمًا في موعدها.
لم تكن الرحلة سهلة، ولم تكن مليئة بالتصفيق، لكنها كانت مؤلمة بقدر النجاح الذي وصلت إليه. وربما لهذا السبب لم أفكر يومًا في الكتابة عن هذه التجربة، حتى بدأت أتلقى أسئلة متكررة من أشخاص مختلفين: كيف يصل الإنسان إلى القيادة؟ وما الطريق الذي يمكن أن يسلكه المعلم حتى ينتقل من موقعه داخل الفصل إلى مواقع صناعة القرار؟
ربما يكون الحديث عن هذه الرحلة نافذة يطل منها معلمون كثيرون، ممن يظنون أن أبواب القيادة مغلقة أمامهم.
بدأت الحكاية بعناد شديد في التمسك بالعمل في مجال الترجمة، ورفض قاطع لفكرة التوجه إلى العمل المدرسي. لكن الواقع كان له رأي آخر، فبدأت العمل في المدارس، لأجد نفسي داخل عالم مختلف تمامًا؛ أطفال، وضحكات، وصراخ، وبكاء، وأسئلة لا تنتهي، ومشاعر متناقضة بين سؤال داخلي يقول: ما هذا العالم؟ ونداء آخر خفي يدفعني إلى الاستمرار.
ثم جاءت الكلمة التي قد تبدو عادية لأي شخص، لكنها تحمل للمعلم الصادق معنى مختلفًا تمامًا: «ميس».
مع هذه الكلمة بدأت الرحلة الحقيقية، وبدأ اكتشاف عالم المدرسة بكل ما يحمله من مسؤوليات وتحديات.
قد يظن البعض أن العمل داخل المدرسة مهمة روتينية، لكن الحقيقة أنه بحر واسع. يبدأ المعلم أول أيامه وكأنه يقف على الشاطئ، ثم يجد نفسه تدريجيًا في عمق البحر، محاصرًا بالمسؤوليات والطلبات والمواقف الإنسانية والتربوية، دون مساحة حقيقية للاختباء.
وفي هذا البحر تأتي الصدمات.
موقف مفاجئ، شخص لم تتوقعه، قرار لم تفهمه، أو تجربة تركت بداخلك سؤالًا كبيرًا: لماذا حدث ذلك؟ ولماذا معي أنا؟
في البداية تبدو الصدمة مؤلمة وربما عبثية، لكن الزمن يكشف أنها كانت واحدة من أهم دروس الحياة.
وهنا يلتقي الواقع بما يعرف في علم التربية بـ«التعلم التحويلي»، الذي ارتبط بأفكار جاك ميزيرو؛ حيث يمكن للتجارب المربكة والصادمة أن تدفع الإنسان إلى إعادة النظر في أفكاره وطريقة فهمه للآخرين ولنفسه، ثم البحث عن أساليب جديدة للتعامل مع الحياة والعمل.
لم أكن أدرك وقتها أن بعض ما مررت به كان جزءًا من رحلة التعلم نفسها. لم أكن أعرف أن العثرة يمكن أن تعيد تشكيل الإنسان، وأن الألم قد يدفعه إلى اكتشاف قدرات لم يكن يعرفها.
ومن هنا بدأت أفهم أن القيادة لا تُصنع خلف المكاتب، وإنما تُبنى أولًا في الميدان؛ داخل الفصل، وبين الطلاب، وفي مواجهة الأزمات، ومن خلال القدرة على الاستماع والتعلم وتحمل المسؤولية.
فالطريق من السبورة إلى صناعة القرار ليس قفزة مفاجئة، وإنما سنوات من الخبرة والتجربة، وكل موقف فيها يضيف لبنة جديدة في شخصية القائد.
ومن الصدمة يبدأ النجاح، ومن العثرة تأتي الانفراجة، ومن أصعب التجارب قد تبدأ أحيانًا أهم مراحل صناعة الإنسان.
وربما تكون البداية الحقيقية للقيادة هي أن تتعلم كيف تنهض بعد كل مرة ظننت فيها أنك سقطت.

قد يعجبك ايضا