تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية في إيران على الشرق الأوسط
بقلم: الدكتور أحمد صفوت السنباطي
في صباح يوم السبت 28 فبراير/شباط 2026، انطلقت شرارة التصعيد العسكري الأكبر والأكثر تعقيداً في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية مشتركة واسعة النطاق ضد إيران، لتتحول المنطقة بأكملها إلى ساحة مفتوحة لمواجهة شاملة تحمل في طياتها تداعيات سياسية وأمنية وإنسانية واقتصادية غير مسبوقة، قد تعيد تشكيل خريطة التحالفات والنفوذ لعقود قادمة على المستوى الأمني والاستراتيجي.
لم تعد المواجهة محصورة بين إسرائيل وإيران، بل امتدت لتشمل دول الجوار الإيراني بشكل مباشر، حيث أعلنت إيران فور تعرضها للضربات أنها استهدفت 14 قاعدة أمريكية في عدة دول خليجية، بما في ذلك البحرين وقطر والسعودية والإمارات والكويت، وهي الدول التي طالما حذرت من انزلاقها إلى مستنقع الصراع رغم استضافتها قوات أمريكية على أراضيها.
هذا التوسع الجغرافي للرد الإيراني يحوّل دول الخليج من حاضنة للقوات الأمريكية إلى أهداف مشروعة في نظر طهران، مما يضعها في مأزق وجودي حقيقي. فهي من جهة تسعى للحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع واشنطن، ومن جهة أخرى تواجه تهديداً وجودياً من صواريخ إيرانية متوسطة المدى قادرة على تدمير بنيتها التحتية الحيوية، من محطات تحلية المياه ومحاور الطاقة إلى المنشآت النفطية.
وعبرت مصادر دبلوماسية من دول مجاورة لإيران عن قلقها العميق من أن تؤدي الضربات إلى إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي الذي يمر عبره 20% من إمدادات النفط العالمية، وتفعيل دور وكلاء إيران في المنطقة، كالحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان، ما يعني اشتعال جبهات متعددة في وقت واحد.
وفي هذا السياق، يرى خبراء أن إضعاف إيران أو محاولة فرض تغيير النظام بالقوة العسكرية قد يؤدي إلى تأثير عكسي، حيث يخشى الجيران من انزلاق إيران إلى فوضى أهلية على غرار السيناريو الليبي بعد سقوط القذافي، ما يعني انهيار الدولة المركزية وبروز جماعات انفصالية وميليشيات مسلحة تتنافس على السلطة. وهذا السيناريو يمثل كابوساً لدول الجوار، مثل تركيا التي تخشى تنامي النشاط الانفصالي للأكراد على حدودها، وباكستان التي تخشى امتداد نيران الفوضى عبر حدودها الطويلة وغير المستقرة مع إيران.
على الصعيد الإنساني والاجتماعي، تلوح في الأفق أزمة لاجئين جديدة قد تفوق في حجمها كارثة اللاجئين السوريين التي عصفت بأوروبا عام 2015، حيث يحذر محللون من أن الصدمات عبر الحدود ستكون هائلة نظراً لكبر حجم إيران وتنوعها السكاني وكثافتها السكانية العالية. وستكون تركيا وأذربيجان وأرمينيا في الخطوط الأمامية لاستقبال مئات الآلاف أو الملايين من الفارين من القصف والفوضى، وهي دول صغيرة نسبياً قد يهددها هذا التدفق بزعزعة الاستقرار بالكامل. كما أن مقتل عشرات الطالبات في قصف مدرسة بميناب يضيف بعداً إنسانياً مأساوياً يزيد من تعقيد المشهد ويصعّب أي محاولات للتهدئة السريعة.
اقتصادياً، شكل إغلاق مضيق هرمز واستهداف ناقلات النفط صدمة عنيفة للأسواق العالمية، فمع مرور 20% من إمدادات النفط العالمية عبر هذا المضيق، قفزت أسعار النفط بشكل حاد، وتوقع خبراء أن تصل إلى 90 أو حتى 100 دولار للبرميل، ما سينعكس مباشرة على معدلات التضخم العالمية ويزيد الأعباء على الاقتصادات الهشة. كما أن دول الخليج نفسها، رغم ثرائها النفطي، تواجه أزمة سيولة حقيقية لأنها في مرحلة إنفاق كبير لتنويع اقتصاداتها، وأي انخفاض في العائدات سيعطل خططها الطموحة للتحول الاقتصادي. في المقابل، قد تضطر الصين، كأكبر مستورد للنفط، لملء الفجوة من مصادر أخرى، ما يضعف النفوذ الاقتصادي للدول الخليجية ويقلص حصتها السوقية.
على الصعيد السياسي والدولي، أحدثت الحرب انقساماً حاداً في الموقف الدولي؛ فبريطانيا وكندا أعلنتا دعمهما للتحرك الأمريكي، فيما دعت فرنسا إلى عقد اجتماع عاجل لمجلس الأمن، وانتقدت روسيا بشدة الهجوم وحذرت من أن المنطقة تتجه نحو الهاوية. أما داخل المنطقة، فقد تباينت المواقف بشكل يعكس حجم المأزق؛ فالسعودية أدانت بشدة الضربات الإيرانية على دول الجوار معبرة عن تضامنها الكامل معها، وهو موقف معقد يحاول التوفيق بين رفض التصعيد الإيراني والحفاظ على علاقات متوازنة مع واشنطن.
ويبقى السؤال الأكبر: هل ستؤدي هذه الحرب إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية واشنطن وتل أبيب، أم أنها ستتحول إلى مستنقع جديد يذكي الصراعات الطائفية والعرقية ويعيد إنتاج الفوضى والفشل كما حدث في العراق وليبيا وسوريا؟ الأكيد أن المنطقة التي استيقظت على دوي الانفجارات صباح 28 فبراير/شباط 2026، لن تعود كما كانت أبداً، وأن تداعيات هذا اليوم المصيري ستطارد الأجيال القادمة لعقود طويلة قادمة.