أنا وأنت والفيضان المعلوماتي بقلم الدكتورة :مي مصطفي

4٬538

 

المرفأ- هل شعرتِ يومًا بالغرق، ليس في أعماق البحر العاصف، بل في فيضان الأخبار الجارفة خلال أحداث ضخمة كتلك التي نعيشها اليوم ؟ تغريدات متلاحقة على شاشات الهواتف ، فيديوهات مرعبة وبثوث حية لا تهدأ، وعناوين صارخة وأخبار متدفقة تتدافع بشدة ، حينها ستشعر أنك غواص تائه يلهث بحثًا عن الفهم ومحاولة الاستيعاب، هذا الإغراق المعلوماتي الذي يُفاقمه تدفق وسائل التواصل أيضا ، هذا الإغراق ليس مجرد كمٍّ هائل، بل عذاب نفسي يُشلّ القدرة على التحليل، يحوّل المواطن من مراقب واعٍ إلى ضحية تائهة في فوضى الشبكات الرقمية ، ناهيك عن الحقائق المشوهة التي تختلط بالشائعات، والآراء المتضاربة التي تُغرق العقل في دوامة الشك، فتفقد القدرة على التمييز بين الجوهر والزيف، ويصبح الجمهور أسيرًا للضجيج الإعلامي بدلاً من صانع للرأي.

أمام هذا الإغراق المعلوماتي ، يتفرّع رد فعل الجمهور إلى ثلاثة مسارات متباينة تعكس صراع الوعي في زمن الضوضاء الإعلامية، البعض يستسلم أسيرًا، يُغرق نفسه في التدفق اللانهائي للأخبار فيصبح مُستهلكًا سلبيًا يتأرجح بين الذعر واللامبالاة، آخرون يسعون للتوازن الحذر، يتابعون المستجدات الأساسية دون الغوص في التفاصيل كمن يسبح بحذر في المحيط ليحافظ على بوصلته دون غرق، أما أصحاب المسار الأخير فيختارون الانسحاب التام، يُغلقون الشاشات ويبنون درعًا من الابتعاد، مفضّلين سلامة النفس على فوضى اللحظة.

أتدري عزيزي القارئ أن الفئة الأكثر شيوعًا والأعلى نسبيًا هي من يختارون تجنّب الأخبار تمامًا، خاصة عندما تكتسي طابعًا سلبيًا مستمرًا كالحروب والأزمات ،هؤلاء ليسوا قلة بل جيش متنام مفضّلين سلامة عقولهم واستقرارهم النفسي على مطاردة اللحظة المتسارعة، هكذا أثبتت العديد من الدراسات الحديثة وكذلك بعض التقارير التابعة لكبرى المؤسسات الإعلامية الدولية كرويترز مثلا مع التأكيد بأن هذه الظاهرة النفسية والاجتماعية في تزايد مستمر إذ يفضل الأفراد تجنب المعلومات للحفاظ على توازنهم بدلاً من شعورهم باليقظة المستمرة.

ويتأثر الفرد هنا في اختياره لمسار التعامل مع الإغراق المعلوماتي بعوامل متعددة، تبدأ من شخصيته وحالته النفسية فمستوى كفاءته في التعامل مع كم هائل من المعلومات، إلى جانب مزاجه النفسي وحالته المزاجية، يحددان إن كان سيستسلم أم يوازن أم يتجنب، كما أن ميله للبحث عن أخبار تؤكد آراءه لترسيخها أو حتى للمعلومات المُعارِضة ليُدحضها يلعب دورًا كبيرًا في توجيه سلوكه.

 

يُضاف إلى ذلك حالته الانتباهية أثناء المتابعة، وسماته العمرية والتعليمية والاجتماعية، بالإضافة إلى أنماط بحثه: هل يركز على السرعة أم الدقة أم القيمة المضافة؟ وهل يبحث بطريقة منظمة أم عشوائية، مقصودة أم مصادفة؟ تجاربه الحياتية ومعارفه المتراكمة.

أمّا العوامل البيئية، فتشمل تعدّد مصادر الأخبار التي تخلق بيئة مشتّتة، بينما تتعلق خصائص المعلومة نفسها مثل مصدرها، جودة حجتها، وطبيعتها (معقّدة، بسيطة، كثيفة)– بما يُعزّز الارتباك أو الوضوح لدى المتلقي.

ما الذي يجعل المتلقي متجنبا للأخبار .. الأسباب كثيرة منها إحساسه بالإنهاك المعلوماتي الذي يسبب القلق والإرهاق والتشويش الذهني، شعوره بأنه ينفق وقت وجهد أكبر في فرز المعلومات لفهمها دون يقين بفائدتها،وإدراكه بأنه في حالة ارتباك معلوماتي ناتج من تعدد المصادر المتنوعة والمتناقضة، مما يُصعّب البحث عن المحتوى المفيد، خاصة مع التمرير اللانهائي للأخبار بحثًا عن التطورات.

 

على الإعلام أن يوازن قدر الاستطاعة بين الأخبار السلبية والإيجابية، حتى في سياق الصراعات والحروب، من خلال إبراز قصص الصمود والإنجازات الإنسانية إلى جانب الدمار، ليمنح الجمهور رؤية شاملة تُقلل من الإنهاك دون تجاهل الحقيقة ، أما أنا وانت عزيزي القارئ فيجب علينا تحديد مصادر موثوقة قليلة، مع تخصيص أوقات يومية محدودة للمتابعة، وممارسة التحقق السريع من الحقائق قبل المشاركة، مع أخذ فترات راحة لاستعادة التركيز وإنعاش العقل

قد يعجبك ايضا