السبّورةُ سوداء والغبارُ أبيض 

3٬276

 

المرفأ- كتبت : منى توفيق عثامنه

سبورةٌ سوداء والطبشور أبيض العنوان واضح لولا كثرة المحو والغبار ، لقد وهن الفهم ،والقدوة مُصفّدة والقيم مُغلّفةٌ بالنسيان ، صنع الإنسانُ عدوَّه بيده ، وانفتح العالَمُ على العالَم ، وانطلقت الحريّاتُ بلا سقوف ، حتى باتت الدنيا فوضى ، واجتهد الجهلةُ أكثر من العلماء بالفتوى، وإنّ الأحوالَ اليوم كالأقوالِ لا قيمة لها ولا وضوح .

فالثورة التيكنولوجية يدها طائلة ، أخفتتِ الأمنَ المجتمعيّ وسلّطت وسائلَها على الأبواب والنوافذ حتى باتت جدران وأسوار البيوت والمؤسسات والبلدان كأنها زجاج شفاف يكشف ما خلفه .

بل أسقطت الحقوق والواجبات كما تُسقِط بندقيّةُ صيّادٍ حريّةَ طيرٍ يعي حاجته للأرض لكنّها تحرمه حقّ التحليق والحياة ،بذريعة ممارسة هوايةَ الصيد .

كلّ ما حولنا حجارةٌ تتراكم فوق بعضها كي ترجمنا ، أو تتساقط فوق رؤوسنا .

تأتينا كثقافات على متن اتصال سريع تناقض بعضها بعضاً لكنّها نخرت جسدَ المجتمع ، بهدف رميه مشلولاً لا يتحرّك ولا ينمو ، وهنا فإنّ المرأة مستهدفةٌ خاسرة ، بكل الوسائل التي تتسلّطُ عليها ، لقد كانت النساء تُحرم من الميراث قبل موت أبيها فتنعم بنات الناس(زوجات الأبناء) بحقوق البنات ، وتجرّعت كثيرات مرارة الحياة الزوجية ، والسبب ببساطة شديدة أنّ حياتها عند ذويها ليست بأحسن من حالها في بيت الزوجية التعيس ، لكن ّ مدرسةَ الظلم رغم القهر بنت بيوتاً تتحدّى الانهيار .

أمّا الظلم الذي يقع على النساء اليوم فمُغَلّفٌ ببريق وهم ، غايته المجتمع بأكمله فإذا ضعفت المرأة انهارت أركان المجتمع وسقفه ! وربما يؤدي الصبرُ على ظلم بأمل تغييره إلى موتها مقتولة بيد شريك الحياة !!!!

لذلك فالانفصال مَهرب نجاة !

هنا يجب أن نعي بأن أمن المجتمع لن يتحقق ولن يكون عادلاً ما لم ننشر عُملةً جديدةً يتداولها الناس وجهيها الحق والواجب ، فإذا ما درسنا الحقوق التي وضعها دينُنا الحنيف والقوانين المستمدة منه سنجد أن الدين والقانون المستمدَّ منه ، أنصفا المرأة وجعلا لها خصوصية وأماناً وحرصاً وصوناً لا يقلّ عن حقوق الرجال إذا لم يتفوّق عليها في كثير من النواحي ، فما دام على المرأة من العبادات والطاعات كما على الرجل ، فإنّ لها أيضاً كما له من حقوق وصون واحترام .

لقد خربت البيوت بسبب كثيرٍ من الجهلة الذين يوصون المرأة بحق الرجل عليها ، ويتناسون توعية الشباب بصون النساء والرفق بهن ، إنّنا أمام جيلٍ فاقد للتوازن الفكري والاجتماعي يثور حيث تثور زوابع الإعلام وكثير من مواقع التواصل التي فكّكت أواصر المجتمع ، وأصبحت منابر للشتم والإساءة وانعدام الثقة بين الطرفين ،حتى إذا قدّم النصيحةَ أو الفكرة المُضَلِّلةَ جهولٌ اتبعته الملايين ، وإذا نشر ذو علمٍ علمَه وتجربتَه لا يُسمع لصوته صدى !!

لذلك فإنّ المرأة التي يُسلّطون عليها أضواء الاهتمام بالتجميل والتأثير وبريق الشهرة والتبجيل وإطلاق العنان بلا قيد ولا شرط هي ذاتها التي يدمّرونها بذات الوسائل فتنهدم الأُسرة ويعزف الشباب والبنات عن الزواج وتنهدم مؤسسة الرباط المقدّس لأسباب مادية وأُخرى فكريّة مسمومة .

فالزواج ليس تجربة قابلة للتقييم ، ومسألة المهور والإنفاق ليست مسمار جحا بل واجب ديني وأخلاقي غير قابل للتفاوض ، لقد زيّنوا وجوه العرائس بأزهار اللوز ، فجفت الأزهار وسقطت الزهورُ وما أثمر اللوز في شهر العسل ، وتفشى الإحباطُ وخيبةَ الأملِ جسدَ الحالةِ العامة في الجيل .

لقد وصلنا إلى مرحلةٍ اجتماعية ٍ خطيرة تستهدف النساء ظاهرها حمايتهن بينما باطنها عفن قذر ، فدخلت الفتن والظنون بين الأزواج ، وباتت الحقيقة المثالية المتداولة تسريحٌ بغير إحسان ، أفضل من إصلاحٍ قد يؤدّي إلى جريمة !!!!!

ولا تنتهي الحكاية إلّا بالعودة إلى صناعة الرجال في مصانع الرجال ومجالس الحكمة ، وتنشئة الذكور والإناث على حدٍّ سواء منذ الطفولةِ على أُسس بناء الأسرة بصلاح الأُم والأب ، كي لا تتلوّث الأخلاق ويسود الفساد ، وتضيع الأجيال بين مد الآباء وجزر الأُمهات كوسيلة انتقام .

متى نُلملم القشَّ اليابسَ الذي تجمّع فوقنا يغطينا ويفترش أرضنا فنحرقه قبل أن نكون محرقةً لأُمم تستمتع بجعلنا رماداً تذروه رياح ُ حقدهم ، إن الأُمةَ التي تفرّقت جموعُها بالأمس لأهداف ٍ سياسيّة تمزّق ثوبُ سترها بضعف الأسرة وخراب البيوت ، حتى لا يبقى منها باقية .

إلى متى سنظلّ ندفع فاتورةَ القضاء علينا من جيوب أعمارنا وكياننا وكرامتنا.

قد يعجبك ايضا