بومبي… إطلالة من تحت رماد البركان
بقلم: محمد نايف عبيدات
المرفأ- جنوب إيطاليا، وعلى شاطئ البحر، حيث الأسواق، والحمّامات، والمسارح، ونبض الحياة في كلِّ مكان، مدينةٌ تنعم بالفنِّ والرخاء الاقتصادي الذي جعل أهلها ينغمسون في جميع أنواع البذخ والمُتَع، والانفتاح الاجتماعي الذي تجاوز كلَّ حدود العقل، وتحوّل إلى الإفراط والانغماس في الشهوات، حتى أصبحت الفاحشة عنواناً لهذه المدينة، والدم متعتها في حلبات المصارعة التي شهدتها المسارح بين العبيد والحيوانات المفترسة، أو بين العبيد أنفسهم.
وفي عام 79 للميلاد، وبينما كانت عجلة الحياة تسير، والناس منغمسون في ترفهم، انقضت ساعات النهار وجزء من الليل، وذهب الناس إلى فراشهم ليخلدوا في نوم هادئ عميق، لكنهم لم يكونوا يعلمون أنه نومهم الأخير. فهناك، ليس بعيداً عن المدينة، كان يقف جبل فيزوف صامداً يرقب المشهد من الأعلى، وينتظر أمر السماء، فما كان من الله عزَّ وجل إلا أن أصدر أمره لذلك البركان القابع أسفل الجبل بالانفجار، ليحمل معه كل الغضب المكبوت في جوف الأرض، ودماء المقهورين، ويرتفع به إلى عنان السماء، ثم يسقط على شكل حممٍ ورمادٍ بركاني، أتى على كل شيء في المدينة في لحظة صمت قاتلة.
لم يتمكن أحد حتى من مغادرة فراشه؛ تحجَّر الجميع، تحجَّر الرجل وطبق الطعام أمامه، ولم يمنحه فيزوف وقتاً لتناول الطعام. انتهى كل شيء في لحظات؛ هلك المال، والسلطان، والولد، وذهب كل شيء، فأصبحت بومبي كأنها لم تكن.
نعم، إنه فيزوف؛ ذلك البركان الذي انتصر للمظلومين والمقهورين، وبقي شامخاً شاهداً يتحرك كلَّما طغى الفساد وزاد الظلم والقهر، ليكون آخر عهدنا به أثناء الحرب العالمية الثانية في العام 1944 عندما ثار؛ إذ لم يتحمل تلك الدماء التي انسكبت على الأرض ولا أنَّات المظلومين.
اليوم، وقد امتلأت الأرض جوراً وظلماً، وأصبح القتل في كل مكان، طغى الناس وانغمسوا في البذخ والملذات، وانتشر الظلم والفساد، ها هي مدينة بومبي تبعث إلينا برسالة من تحت الرماد، وهي التي لم تتعظ بعادٍ وثمود، وإرم، ومن قبلها فرعون ذو الأوتاد.
قطعاً ستتحرك الأرض، وستستجيب السماء لآهات المظلومين، وسيأتي أمر الله.
ولكن السؤال الذي نطرحه اليوم: من هي بومبي القادمة؟