القوة ليست في الانتقام.. بل في أن تظل إنسانًا…بقلم: مايسة جمال جابر

3٬303

 

المرفأ الاخبارية-

في زمن أصبحت فيه ردود الأفعال أسرع من التفكير، وأصبحت الإساءة تُقابل بإساءة، والخصام يتحول أحيانًا إلى معركة طويلة، يظل السؤال الأهم: أين تكمن القوة الحقيقية؟ هل في أن نرد الضربة بأقوى منها؟ أم في أن نمتلك من النضج ما يجعلنا نتجاوز الألم دون أن يتحول إلى كراهية؟

 

الحقيقة أن القوة ليست في الانتقام، وليست في القدرة على إيذاء من آذانا، وإنما في أن نمتلك القدرة على ضبط أنفسنا، وأن نخرج من تجاربنا المؤلمة أكثر حكمة، لا أكثر قسوة.

 

قد نتعرض للخذلان من أشخاص وثقنا بهم، وقد تأتي الإساءة من أقرب الناس إلينا، وقد نبذل مشاعرنا ووقتنا وجهدنا ثم لا نجد التقدير الذي انتظرناه. لكن أصعب ما يمكن أن نفعله بأنفسنا هو أن نحمل كل هذه التفاصيل في قلوبنا، ونسمح للغضب بأن يصبح جزءًا من حياتنا.

 

العمر لا يستحق كل هذا العناء.

 

فالحياة أقصر من أن نقضيها في مطاردة أخطاء الآخرين، وأثمن من أن نستهلك أيامنا في الخصام والعتاب وانتظار الاعتذار. هناك لحظات كثيرة تستحق أن نعيشها، وأشخاص يستحقون أن نمنحهم الحب، وأحلام تستحق أن نطاردها، وقلوب تحتاج إلى كلمة طيبة ربما تغير يومًا كاملًا في حياة صاحبها.

 

سامح، عندما تستطيع، وتجاوز عندما يكون التجاوز هو الطريق إلى راحتك. والتسامح لا يعني أن تنسى ما حدث، ولا يعني أن تسمح لأحد بأن يكرر أذاه، وإنما يعني ألا تجعل ما حدث أسيرًا داخل قلبك. ضع حدودك، واحفظ كرامتك، ثم امضِ في طريقك دون أن تحمل معك كراهية تثقل روحك.

 

افعل الخير حتى لو لم تجد المقابل. ساعد من يحتاج إليك، وكن سندًا لمن أرهقته الحياة، وافرح لنجاح الآخرين، وامنح الناس من طاقتك الجميلة ما استطعت. ليس كل الناس سيقدرون ما تفعله، وليس كل معروف سيقابله معروف، لكن ذلك لا ينبغي أن يغيرك.

 

أنت لا تفعل الخير لأن الجميع يستحقونه، وإنما لأن أنت تستحق أن تبقى إنسانًا جميلًا رغم كل ما رأيت.

 

لا تسمح لخيبة واحدة أن تجعلك تشك في الجميع، ولا تجعل قسوة شخص سببًا في أن تصبح قاسيًا. احتفظ بقلبك كما هو، لكن تعلم أن تمنح ثقتك بحكمة، وأن تعرف متى تقترب ومتى تبتعد، ومتى يكون الصمت أبلغ من ألف كلمة.

 

وفي النهاية، لن يأخذ الإنسان معه إلى الرحيل منصبًا ولا مالًا ولا مظهرًا ولا نفوذًا. كل ذلك يمر وينتهي، ويبقى شيء واحد فقط: الأثر.

 

يبقى الخير الذي زرعته، والقلوب التي أسعدتها، والأشخاص الذين وجدوا في وجودك أمانًا، وفي حديثك طمأنينة، وفي مواقفك سندًا.

 

لذلك، لا تسأل دائمًا: ماذا أخذت من الحياة؟ بل اسأل نفسك: ماذا تركت فيها؟

 

فأجمل انتصار ليس أن يندم من أساء إليك، وأجمل رد ليس أن تؤلم من آلمك، وإنما أن تمضي في حياتك محتفظًا بسلامك، ناجحًا في طريقك، نقيًا من الداخل.

 

وفي النهاية، ستبقى الذكريات، وسيأتي يوم يغيب فيه الإنسان عن المشهد، ولا يتذكر الناس أمواله ولا ممتلكاته، وإنما يتذكرون كيف كان معهم.

 

فيا بخت من إذا غاب، قالت القلوب: كان إنسانًا طيبًا.. كان وجوده راحة، وكلماته أثرًا، وذكراه خيرًا لا يغيب

قد يعجبك ايضا