ديناميكية الفخ.. كيف تحولت المراهنات الرقمية من لعبة إلى كابوس؟! د . مريم علام
المرفأ الاخبارية- في البداية تبدو الحكاية بسيطة للغاية.. هاتف محمول، تطبيق للمراهنات، مباراة كرة قدم، ومبلغ صغير يضعه شخص بدافع الفضول أو التسلية ، او احيانا أشكال أكثر تنوعا وأقل وضوحا من المقامرة.. ألعاب بسيطة، جولات سريعة، عجلة حظ، صناديق ومكافآت، وألعاب تعتمد على توقع اللحظة التي تتوقف عندها اللعبة أو مقدار الربح الذي يمكن الوصول إليه.
لا يحتاج الأمر إلى معرفة رياضية أو تحليل مباراة أو حتى خبرة سابقة ، مجرد ضغطات متتالية على شاشة الهاتف.
وهنا تحديدا تكمن الخطورة…
فكلما بدت اللعبة أبسط، أصبح من السهل على المستخدم أن يتعامل معها باعتبارها تسلية لا مقامرة.
“الفخ يبدأ من البساطة”
تجربة.. مكسب.. ثقة.. خسارة.. محاولة تعويض.. خسارة أكبر.. ثم محاولة جديدة للتعويض.. وهكذا!!
(مطاردة الخسارة).. عندما يصبح المال سببا للمزيد من الخسائر !؟
من أكثر الأفكار التي تفسر خطورة المقامرة أن الإنسان قد يستمر في اللعب رغم إدراكه أنه يخسر.
فبعد خسارة مبلغ معين، تظهر فكرة تبدو منطقية في لحظتها: “لو راهنت مرة أخرى وربحت، سأستعيد كل شيء”
لكن الرهان الجديد لا يعيد بالضرورة المال المفقود، بل قد يضيف خسارة أخرى، فيصبح الهدف من الرهان التالي هو استعادة خسارة الرهان السابق.
وهكذا يتحول الشخص من لاعب يبحث عن الربح إلى شخص يطارد خسارته.
ومع كل خسارة، يصبح التراجع أصعب نفسيا ، لأن الاعتراف بالخسارة يعني الاعتراف بأن الأموال التي ذهبت لن تعود. لذلك قد يواصل الشخص اللعب، ليس لأنه يعتقد بالضرورة أنه سيفوز، ولكن لأنه لا يريد مواجهة حجم ما خسره.
السؤال هنا : عن الهندسة النفسية والتكنولوجية للفخ؟
تستند هذه التطبيقات المشبوهة إلى علم النفس السلوكي وتقنيات الخوارزميات المتقدمة لصناعة حالة من الإدمان الرقمي القهري، عبر خطوات مدروسة تجعل الخروج من الفخ أمراً شبه مستحيل:
اولا: وهم التحكم والمكسب المبتدئ ..
تتيح تطبيقات المراهنات الرقميه للمستخدم الجديد تحقيق أرباح سريعة متتالية في الرهانات الأولى. هذه الأرباح المفتعلة تحفز إفراز كميات ضخمة من هرمون “الدوبامين” في المخ، مما يولد لدى الشاب إحساساً زائفا بـ “الذكاء والقدرة على التنبؤ” وأن الأرباح نتاج مهارة لا محض حظ.
ثانيا : إلغاء حواجز التدفق المالي ..
ألغت المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الدفع اللحظي الصعوبه أو الإبطاء الزمني الذي كان يمنح العقل فرصة للتفكير. أصبح إيداع المال وسحبه لا يستغرق سوى ثواني، مما يسهل عملية نزيف الأموال دون استشعارات بواقعيتها.
واخيرا : فخ مطاردة الخسائر (Chasing Losses): مع التحول الطبيعي في قواعد اللعبة وبدء الخسائر المتتالية، يقع المراهن في السلوك الأكثر خطورة وهو رفض تقبل الخسارة، فيلجأ للمراهنة بمبالغ مضاعفه وهكذا ..
الكابوس يبدأ عندما تصبح “المرة الأخيرة” ليست الأخيرة
ربما تكون أخطر جملة يقولها الشخص لنفسه هي: دي آخر مرة.
لأن المشكلة ليست في المرة الأولى وحدها، وإنما في تكرار القرار نفسه بعد كل خسارة.
وفي العالم الرقمي، لا يحتاج الشخص إلى وقت طويل كي يبدأ جولة جديدة. لا يحتاج إلا إلى هاتف واتصال بالإنترنت وحساب يحتوي على رصيد.
وهكذا قد تختفي المسافة بين الرغبة والفعل.
التشريع المصري تصدى لهذه الظاهرة عبر حزمة متكاملة من القوانين التي تطال المراهن، والمروج ، والمنصة الإلكترونية:
قانون العقوبات المصري (المادتان 352 و353)
: ينص القانون على عقاب كل من أعد أو فتح مكاناً لألعاب القمار. وقد استقر الفقه والقضاء المصري حديثاً على توسيع المفهوم التشريعي لـ “المكان” ليشمل الخوادم (Servers)، المواقع، والتطبيقات الرقمية باعتبارها كازينوهات افتراضية تُدار لممارسة ألعاب الحظ مقابل أموال.. وغيرها من المواد التجريميه.
فلم تكن مصر بمعزل عن هذا التحدي حيث خاضت دول عدة تجارب تشريعية صارمة للسيطرة على هذه المنصات و منها الولايات المتحده و الصين و غيرهم ..
فالنموذج الأمريكي (قانون إنفاذ القمار غير المشروع – UIGEA): يركز التشريع الفيدرالي الأمريكي على استراتيجية “الخنق المالي” (Financial Choking)؛ حيث يمنع البنوك وشركات البطاقات الائتمانية وأنظمة الدفع من معالجة أي معاملة مالية لصالح مواقع مراهنات غير ترخيصية، ويفرض عقوبات بسجن المديرين حتى 5 سنوات ومصادرة أصول بمليارات الدولارات.
النموذج الصيني (الحظر المطلق والردع الأمني): يجرم المادة 303 من قانون العقوبات الصيني كافة أشكال المراهنة الرقمية. وتصل العقوبة إلى السجن المشدد لمدة 10 سنوات لمنظمي التطبيقات والوكلاء.
(سياسة المواجهه نحو الردع )
يتطلب الأمر حزمة إجراءات سريعة تستلهم أفضل الممارسات المحلية والدولية:
اولهم : تضييق الحصار المالي: تفعيل خوارزميات تتبع داخل البنوك والمحافظ الرقمية لرصد الحسابات التي تجري تحويلات متكررة ومكثفة بمبالغ صغيرة أو متوسطة (أنماط الشحن والسحب)، وتجميدها فورياً لحين فحص طبيعة النشاط.
ثانيا :محاكمة “المؤثرين” والمروجين: اعتبار أي صانع محتوى يروج لـ “رموز خصم” (Promo codes) لمواقع المراهنات شريكاً مباشرًا في الجريمة.
فالردع هنا ليس رفاهية، وإنما ضرورة لأن ترك هذه الألعاب تتمدد بلا رقابة يعني السماح بتحويل الهاتف من وسيلة للترفيه والتواصل إلى باب مفتوح لاستنزاف أموال الأفراد والأسر.
ولابد من رفع وعي الأسر والشباب بحقيقة هذه الألعاب. فالمبلغ الصغير الذي يبدو غير مؤثر قد يكون مجرد الخطوة الأولى في سلسلة من الرهانات والخسائر، خصوصًا عندما يصبح الهدف هو استعادة المال المفقود بأي ثمن.
ختاما هناك مقوله شهيره تقال في لاس فيجاس أشهر مدن القمار في العالم.. The more you bet, the more you lose..
ففي عالم المراهنات، لا تكون الخسارة دائمًا هي نهاية اللعبة.. أحيانًا تكون هي السبب الذي يجعلك تلعب مرة أخرى.
ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية ليست مع لعبة على شاشة، وإنما مع فخ يباع للناس تحت اسم (الفرصة).. بينما يكون ثمنه الحقيقي أكبر بكثير من قيمة الرهان.
دكتوراة القانون المدني ومدير وحدة رعاية الوافدين ك التربية جامعة طنطا.